تَعَلُّقُ الْخِيَانَةِ بِالضَّمِيرِ


((تَعَلُّقُ الْخِيَانَةِ بِالضَّمِيرِ))

فَإِنَّ الضَّمِيرَ هُوَ مَا تُضْمِرُهُ فِي نَفْسِكَ وَيَصْعُبُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ، وَهُوَ اسْتِعْدَادٌ نَفْسِيٌّ لِإِدْرَاكِ الْخَبِيثِ وَالطَّيِّبِ مِنَ الْأَعْمَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالْأَفْكَارِ, وَالتَّفْرِقَةِ بَيْنَهَا, وَاسْتِحْسَانِ الْحَسَنِ, وَاسْتِقْبَاحِ الْقَبِيحِ مِنْهَا.

وَالضَّمِيرُ عَلَى هَذَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْإِنْسَانِ؛ بِحَرَكَاتِهِ وَسَكَنَاتِهِ، بِنُطْقِهِ وَصَمْتِهِ، بِإِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ، بِبَسْطِهِ وَقَبْضِهِ، كَمَا يَتَعَلَّقُ بِبَاطِنِهِ؛ مِنْ حُبِّهِ وَبُغْضِهِ، وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ، وَأَمَلِهِ وَيَأْسِهِ، وَأَمَانَتِهِ وَخِيَانَتِهِ.

وَالْخِيَانَةُ خَاصَّةً أَشَدُّ الْأُمُورِ تَعَلُّقًا بِالضَّمِيرِ؛ لِأَنَّ الْخِيَانَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِحَرَكَةِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا، فَالْقُلُوبُ تَخُونُ، وَالْأَعْيُنُ تَخُونُ، وَالْجَوَارِحُ تَخُونُ، وَالْخَوَاطِرُ تَخُونُ.

وَقَدِيمًا كَانَتِ الْعَرَبُ تَتَمَدَّحُ بِالْأَمَانَةِ وَمُجَانَبَةِ الْخِيَانَةِ.

قَالَ النَّابِغَةُ لِلْنُعْمَانِ بْنِ الْمُنْذِرِ:

لَوِ اخْتَانَتْكَ مِنِّي ذَاتُ خَمْسٍ=يَمِينِي لَمْ تُصَاحِبْنِي الْيَمِينُ

أَتَيْتُكَ عَارِيًّا خَلَقًا ثِيَابِي=عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ

فَأَلْفَيْتُ الْأَمَانَةَ لَمْ تَخُنْهَا=كَذَلِكَ كَانَ نُوحٌ لَا يَخُونُ

وَضَرَبَتِ الْعَرَبُ الْمَثَلَ بِوَفَاءِ السَّمَوْأَلِ بْنِ عَادِيَا، وَقَدْ ذَبَحَ بَنُو أَسَدٍ ابْنَ السَّمَوْأَلِ تَحْتَ نَاظِرَيْهِ، وَهُوَ يَتَطَلَّعُ إِلَى وَلَدِهِ يُذْبَحُ تَحْتَ عَيْنَيْهِ مِنْ حِصْنٍ كَانَ فِيهِ، وَأَبَى أَنْ يَخُونَ امْرَأَ الْقَيْسِ فِي أَدْرَاعِهِ حَتَّى سَلَّمَهَا لَهُ؛ فَقَالَتِ الْعَرَبُ: ((أَوْفَى مِنَ السَّمَوْأَلِ))

وَقَالَ الْمُثَقِّبُ الْعَبْدِيُّ:

فَإِمَّا أَنْ تَكُونَ أَخِي بِحَقٍّ=فَأَعْرِفَ بِكَ غَثِّي مِنْ سَمِينِي

وَإِلَّا فَاطَّرِحْنِي وَاتَّخِذْنِي=عَدُوًّا أَتَّقِيكَ وَتَتَّقِينِي

فَإِنَّي لَوْ تُخَالِفُنِي شِمَالِي=خِلَافَكَ مَا وَصَلْتُ بِهَا يَمِينِي

إِذَنْ لَقَطَعْتُهَا وَلَقُلْتُ بِينِي=كَذَلِكَ أَجْتَوِي مَنْ يَجْتَوِينِي

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ أَعْرَابِيًّا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَتَى السَّاعَةُ؟

قَالَ ﷺ: ((إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)).

قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟

قَالَ: ((إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)).

وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((إِذَا أُسْنِدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظِرِ السَّاعَةَ)).

قَالَ الْحَافِظُ فِي ((الْفَتْحِ)): ((إِسْنَادُ الْأَمْرِ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ إِنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ غَلَبَةِ الْجَهْلِ وَرَفْعِ الْعِلْمِ, وَذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْإِفْرَاطِ, وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْعِلْمَ مَا دَامَ قَائِمًا فَفِي الْأَمْرِ فُسْحَةٌ.

وَالْمُرَادُ -أَيْضًا- مِنَ الْأَمْرِ: جِنْسُ الْأُمُورِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ؛ كَالْخِلَافَةِ، وَالْإِمَارَةِ، وَالْقَضَاءِ، وَالْإِفْتَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ)).

فَإِذَا وُسِّدَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهَا؛ فَإِنَّ فِي ذَلِكَ ضَيَاعَ الْأُمَّةِ, وَذَهَابَ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ.

عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَدِيثَيْنِ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ، حَدَّثَنَا: ((أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَالِ -نَزَلَتْ فِي جَذْرِ؛ أَيْ: فِي أَصْلِ قُلُوبِ الرِّجَالِ- ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ الْقُرْآنِ، ثُمَّ عَلِمُوا مِنَ السُّنَّةِ)).

وَحَدَّثَنَا عَنْ قَطْعِهَا قَالَ: ((يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِهِ، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا مِثْلَ أَثَرِ الْوَكْتِ -وَهُوَ سَوَادٌ فِي اللَّوْنِ مِنْ أَثَرِ الْعَمَلِ فِي الْيَدِ-، ثُمَّ يَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُقْبَضُ، فَيَبْقَى أَثَرُهَا مِثْلَ الْمَجْلِ، كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ، فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ، فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ, فَلَا يَكَادُ أَحَدهم يُؤَدِّي الأَمَانَةَ, فَيُقَالُ: إِنَّ فِي بَنِى فُلَانٍ رَجُلًا أَمِينًا، وَيُقَالُ لِلرَّجُلِ مَا أَعْقَلَهُ! وَمَا أَظْرَفَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ، وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَانٌ وَمَا أُبَالِى أَيَّكُمْ بَايَعْتُ، لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا رَدَّهُ عَلَيَّ الْإِسْلَامُ، وَإِنْ كَانَ نَصْرَانِيًّا رَدَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ، فأَمَّا الْيَوْمَ فَمَا كُنْتُ أُبَايِعُ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا)) .

عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ((أَوَّلُ مَا يُرْفَعُ مِنَ النَّاسِ الْأَمَانَةُ، وَآخِرُ مَا يَبْقَى مِنْ دِينِهِمُ الصَّلَاةُ، وَرُبَّ مُصَلٍّ لَا خَلَاقَ لَهُ عِنْدَ اللهِ)). حَسَّنَهُ فِي ((صَحِيحِ الْجَامِعِ)).

الْخِيَانَةُ تُشَّمُ رَائِحَتُهَا فِي كُلِّ مَكَانٍ، وَمَا يُخَافُ عَلَى مِصْرَ الْيَوْمَ مِنْ شَيْءٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنَ الْخِيَانَةِ!!

الْخِيَانَةُ تُشَمُّ فِي كُلِّ مَكَانٍ؛ فَنَسْأَلُ اللهَ الْعَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ.

 

المصدر:مَعَانِي الْخِيَانَةِ وَخَطَرُهَا عَلَى الْأَفْرَادِ وَالْمُجْتَمَعَاتِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  مِنْ مَعَالِمِ الْبِرِّ بِالْأَوْطَانِ: حِمَايَتُهَا مِنَ الدَّعَوَاتِ الْمَشْبُوهَةِ وَالْهَدَّامَةِ
  مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: هَجْرُ آفَاتِ الْقُلُوبِ وَاللِّسَانِ
  الْإِخْلَاصُ هُوَ قُطْبُ رَحَى الْعِبَادَةِ
  السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ
  مِنْ دُرُوسِ وَفَوَائِدِ قِصَّةِ الْخَلِيلِ -عَلَيْهِ السَّلَامُ-: طَاعَةُ الْوَلَدِ لِأَبِيهِ فِي أَمْرِ اللهِ تَعَالَى
  كَيْفَ نُحَاسِبُ أَنْفُسَنَا؟
  تَرْبِيَةُ الطِّفْلِ عَلَى التَّوْحِيدِ
  جُمْلَةٌ مِنْ آدَابِ الْبَيْعِ وَالشِّرَاءِ وَالْأَسْوَاقِ
  فَضَائِلُ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللهِ
  نَمَاذِجُ مِنْ مِحَنِ وَابْتِلَاءَاتِ خَيْرِ الْبَشَرِ
  الدرس الخامس والعشرون : «تَوَقَّفْ!! فَإِنَّ الحَيَاةَ فُرْصَةٌ وَاحِدَةٌ لَا تَتَكَرَّرُ»
  لِمَنْ تَكُونُ الْبَيْعَةُ وَالسَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي غَيْرِ مَعْصِيَةٍ؟
  حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ!!
  الِابْتِلَاءُ بِالْخَيْرِ وَالشَّ
  زِيَادَةُ الْإِيمَانِ مِنْ ثَمَرَاتِ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ
  • شارك