الصَّائِمُونَ الْمُفْلِسُونَ


((الصَّائِمُونَ الْمُفْلِسُونَ))

أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحِهِ» بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ :«أَتَدْرُوْنَ مَا الْمُفْلِسُ؟».

قَالُوْا: الْمُفْلِسُ فِيْنَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ .

قَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِيْ، يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكْلَ مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ؛ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ، فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».

فَهَذَا أَتَى بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ؛ وَلَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ عَيْنِهِ أَتَى بِمَا أَذْهَبَ مَا أَتَى بِهِ مِنْ خَيْرٍ؛ حَتَّى مَحَقَهُ، حَتَّى نَسَفَهُ.

وَتَأَمَّلْ خَمْسَةَ أَفْعَالٍ وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ: «شَتَمَ هَذَا.. قَذَفَ هَذَا.. أَكَلَ مَالَ هَذَا.. سَفَكَ دَمَ هَذَا.. ضَرَبَ هَذَا».

تَأَمَّلْ هَذِهِ الْخَمْسَةَ الْأَفْعَالِ: «شَتَمَ.. قَذَفَ.. أَكَلَ.. سَفَكَ.. ضَرَبَ»، ثُمَّ اعْجَبْ! مَتَى كَانَ هَذَا الرَّجُلُ صَائِمًا؟!!

وَكَيْفَ كَانَ يَجِدُ وَقْتًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ، وَهُوَ يَقُومُ بِهَذِهِ الْجَرَائِمِ كُلِّهَا؟!!

وَكَيْفَ يَكُونُ مُزَكِّيًا، وَهُوَ يَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ؟!!

((يَأْتِيَ بِصَلَاةٍ وَصِيَامٍ.. ))؛ صِيَامٍ عَنْ أَيِّ شَيْءٍ؟!!

«وَزَكَاةٍ»؛ كَيْفَ تَكُونُ الزَّكَاةُ زَكَاةً، وَهُوَ يَأْكُلُ أَمْوَالَ النَّاسِ؟!!

((وَأَكَلَ مَالَ هَذَا)).

فَاعْجَبْ! كَيْفَ كَانَ هَذَا يَجِدُ وَقْتًا لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَهُوَ عَاكِفٌ عَلَى هَذِهِ الْجَرَائِمِ كُلِّهَا؟!!

إِنَّ الصِّيَامَ الْحَقِيقِيَّ، وَالصَّلَاةَ التَّامَّةَ، وَالزَّكَاةَ الْمَقْبُولَةَ هِيَ الْعِبَادَاتُ الَّتِي تَمْنَعُ صَاحِبَهَا مِنَ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْجَرَائِمِ الْخَمْسِ: «الشَّتْمُ، وَالضَّرْبُ، وَالْقَذْفُ، وَأَكْلُ أَمْوَالِ النَّاسِ، وَسَفْكُ دِمَائِهِمْ».

لَا يَمْنَعُ مِنْ هَذَا، وَلَا يَكُفُّ عَنْهُ إِلَّا الصِّيَامُ الْحَقِيقِيُّ، وَالصَّلَاةُ التَّامَّةُ، وَالزَّكَاةُ الْمَقْبُولَةُ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ ﷺ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ لَهُ صَلَاةٌ وَصِيَامٌ وَزَكَاةٌ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ ذَلِكَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي تِلْكَ الْجَرَائِمِ!!

فَمَفْهُومُ هَذَا؛ أَنَّهُ لَوْ كَانَ قَدْ صَامَ صِيَامًا حَقِيقِيًّا، وَصَلَّى صَلَاةً تَامَّةً، وَزَكَّى زَكَاةً مَقْبُولَةً؛ لَانْكَفَّ عَنْ فِعْلِ هَذِهِ الشُّرُورِ، وَلَحَجَزَتْهُ عَنِ الْوُقُوعِ فِي تِلْكَ الْآثَامِ، وَلَاسْتَقَامَ عَلَى الْجَادَّةِ، وَعَلَى صِرَاطِ اللهِ الْمَلِيكِ الْعَلَّامِ.

لَقَدْ أَشَارَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ إِلَى الْإِفْلَاسِ الْحَقِيقِيِّ.

إِنَّهُ الْإِفْلَاسُ الْخُلُقيُّ فِي الدُّنْيَا.

الْإِفْلَاسُ الْحَقِيقِيُّ: هُوَ الْإِفْلَاسُ الْخُلُقيُّ فِي الدُّنْيَا، وَهُوَ مُؤَدٍّ إِلَى الْإِفْلَاسِ الْأُخْرَوِيِّ مِنَ الْحَسَنَاتِ حَتَّى تَفْنَى، ثُمَّ يُطْرَحُ مِنْ سَيِّئَاتِ ضَحَايَاهُ عَلَى سَيِّئَاتِهِ، ثُمَّ يُطْرَحُ فِي النَّارِ.

فَالْإِفْلَاسُ الْخُلُقِيُّ فِي الدُّنْيَا هُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى الْإِفْلَاسِ الْحَقِيقِيِّ فِي الْآخِرَةِ بِخُلُّوهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَبِطْرَحِ سَيِّئَاتِ خُصُومِهِ عَلَيْهِ، ثُمَّ بِطَرْحِهِ بَعْدُ فِي النَّارِ.

المصدر:فَضْلُ الصِّيَامِ وَسُلُوكُ الصَّائِمِينَ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْعَالَمِ بِشَهَادَةِ الْغَرْبِيِّينَ
  تَرْغِيبُ النَّبِيِّ ﷺ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِ الْمُسْلِمِينَ
  حُقُوقُ الْأَطْفَالِ فِي الْإِسْلَامِ
  قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا
  الِابْتِلَاءُ بِالْخَيْرِ وَالشَّ
  حَالُ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ!!
  اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- لَكَ كَمَا تَكُونُ أَنْتَ لَهُ وَلِعِبَادِهِ
  مِنْ مَعَانِي التَّضْحِيَةِ: التَّضْحِيَةُ بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-
  مِنْ سِمَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ: الْحِفَاظُ عَلَى مَرَافِقِ الْوَطَنِ الْعَامَّةِ
  مِنْ حُقُوقِ الطِّفْلِ فِي الْإِسْلَامِ: رِعَايَتُهُ صِحِّيًّا
  نَبْذُ وَهَدْمُ الْإِسْلَامِ لِلْعُنْصُرِيَّةِ وَالْعَصَبِيَّةِ
  فَضْلُ مِصْرَ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ، وَأَعْلَامُهَا
  مَتَى تَعُودُ إِلَيْنَا الْقُدْسُ وَنَسْتَرِدُّ الْأَقْصَى السَّلِيبَ؟!!
  «حُكْمُ الاحتفالِ بِالمَوْلِدِ النَّبَوِيِّ» الإمام العلامة المُحدِّثُ: مُقبل بن هادي الوادعي -رحمهُ اللهُ-.
  سَبَبُ النَّصْرِ الْأَعْظَمُ: تَحْقِيقُ التَّوْحِيدِ وَالِاتِّبَاعِ
  • شارك