مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ


 ((مِنْ أَعْظَمِ أَنْوَاعِ الْهِجْرَةِ: هَجْرُ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ))

لَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِهِجْرَةِ الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ؛ فَقَالَ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: ((وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللهُ عَنْهُ)).

إِنَّ الرَّسُولَ ﷺ أَخْبَرَ أَنَّ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ جَعَلَ بَابَ التَّوْبَةِ مَفْتُوحًا إِلَى أَنْ تَطْلُعَ مِنْهُ الشَّمْسُ، وَهُوَ إِلَى الْغَرْبِ .

فَالْبَدَارَ الْبَدَارَ!! وَالْعَجَلَةَ الْعَجَلَةَ بِالتَّوْبَةِ وَإِلَيْهَا!! وَإِلَّا؛ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي فَجْأَةً، كَمَا أَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ.

إِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً، وَإِنَّ الْمَرْءَ لَعَلَّهُ لَا يُرَاجِعُ، وَلَعَلَّ الْإِنْسَانَ تَأْتِيهِ مَنِيَّتُهُ وَهُوَ عَلَى حَالةٍ مِنْ حَالَاتِ الْمَعْصِيَةِ، لَعَلَّ الْمَوْتَ يَأْتِيهِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ، فَيَلْقَى اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي أَسْوَأِ حَالٍ!!

وَالنَّبِيُّ ﷺ قَدْ غَفَرَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَكَانَ يُعَدُّ لَهُ ﷺ فِي الْمَجْلِسِ الْوَاحِدِ أَنْ يَقُولَ سَبْعِينَ مَرَّةً.. مِئَةَ مَرَّةٍ: «رَبِّ اغْفِرْ لِي وَتُبْ عَلَيَّ، إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ» .

فَيَسْتَغْفِرُ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فِي كُلِّ حِينٍ وَحَالٍ، وَعَلَى كُلِّ صِفَةٍ، لَا يُغَادِرُ مَقَامَ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الْمَقَامَاتِ عِنْدَ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَمِنْ ذَلِكَ: هَجْرُ أَمَاكِنِ الْمَعَاصِي؛ فَقَدْ قَالَ اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

وَإِذَا رَأَيْتَ -أَيُّهَا الرَّسُولُ- الْمُشْرِكِينَ يَتَكَلَّمُونَ فِي آيَاتِنَا بِالسُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ فَلَا تَقْعُدْ مَعَهُمْ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي حَدِيثٍ خَالٍ مِنَ السُّخْرِيَةِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِنَا.

وَإِذَا أَنْسَاكَ الشَّيْطَانُ وَقَعَدْتَ مَعَهُمْ ثُمَّ تَذَكَّرْتَ فَغَادِرْ مَجْلِسَهُمْ وَلَا تَقْعُدْ مَعَ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَدِينَ.

وَقَالَ رَبُّنَا -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا} [الفرقان: 72].

ذَكَرَ اللهُ مِنْ صِفَاتِ عِبَادِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُمْ لَا يَحْضُرُونَ الْبَاطِلَ كَمَجَالِسِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالضَّلَالِ، وَلَا يُخْبِرُونَ بِالْبَاطِلِ وَالْكَذِبِ.

وَأَنَّهُمْ إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ -مَعْنَى اللَّغْوِ: مَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ، وَلَا يُحَصِّلُ مِنْهُ الْمَرْءُ فَائِدَةً وَلَا نَفْعًا- إِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا مُرُورًا عَابِرًا، حَالَةَ كَوْنِهِمْ كِرَامًا فِي أَنْفُسِهِمْ؛ إِذْ لَا يُهِينُوهَا بِالْهُبُوطِ إِلَى السَّفَاسِفِ وَمُحَقَّرَاتِ الْأُمُورِ، وَهُمْ يُدْرِكُونَ قِيمَةَ الْوَقْتِ، وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ رَأْسُ مَالِهِمْ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، فَيَخْشَوْنَ أَنْ يَخْسَرُوا مَقَادِيرَ مِنْ رَأْسِ مَالِهِمْ دُونَ تَحْقِيقِ رِبْحٍ وَفِيرٍ بِعَمَلٍ صَالِحٍ.

وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ فِي ((الصَّحِيحَيْنِ))  فِي الَّذِي قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ: قَالَتْ مَلَائِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ مَعَ أَنَّهُ عَمِلَ أَعْمَالًا صَالِحَةً تَوَّجَهَتْ إِرَادَتُهُ لِلْهِجْرَةِ مِنْ أَرْضِهِ -وَهِيَ أَرْضُ سُوءٍ- وَذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى الْأَرْضِ الطَّيِّبَةِ فَقُبِضَ فِي الطَّرِيقِ.

هَذَا عَمَلٌ صَالِحٌ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ؛ فَقَدْ ذَهَبَ مُهَاجِرًا إِلَى رَبِّهِ.

 

المصدر:الْمَفَاهِيمُ الصَّحِيحَةُ لِلْهِجْرَةِ إِلَى اللهِ وَرَسُولِهِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  أَسْبَابُ طُولِ الْأَمَلِ
  فَوَائِدُ مِنْ دَوْرَةِ الْإِمَامِ الطَّبَرِيِّ -رَحِمَهُ اللهُ-
  هَلْ رَأَى النَّبِيُّ رَبَّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ؟
  أَعْظَمُ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللهُ بِهَا عَلَى الثَّقَليْنِ نِعْمَةُ الرَسُولِ ﷺ
  ذِكْرُ اللهِ فِي خِتَامِ رَمَضَانَ
  تَعْلِيمُ النَّبِيِّ ﷺ الْأُمَّةَ كُلَّ مَا يَنْفَعُهَا
  تَفَاعُلُ الْمَخْلُوقَاتِ مَعَ الْقُرْآنِ الكريم
  اسْتِحْبَابُ إِكْرَامِ الْيَتِيمِ وَالدُّعَاءِ لَهُ
  الْأُمَّةُ الْوَسَطُ
  الْعَدْلُ وَالْفَضْلُ مُجَسَّدَانِ فِي النَّبِيِّ ﷺ
  حَالُ أُمَّةِ الْعَرَبِ قَبْلَ دَعْوَةِ التَّوْحِيدِ وَبَعْدَهَا
  دِينُ الِاسْتِقَامَةِ وَالتَّوَازُنِ
  الدَّعْوَةُ إِلَى التَّوْحِيدِ دَعْوَةُ الْمُرْسَلِينَ أَجْمَعِينَ
  مِنْ سِمَاتِ الشَّخْصِيَّةِ الْوَطَنِيَّةِ: نُصْحُهُ لِبَنِي وَطَنِهِ بِعِلْمٍ وَحِلْمٍ وَرِفْقٍ
  اللهُ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- هُوَ الْحَلِيمُ الْوَدُودُ
  • شارك