يَوْمُ النَّحْرِ عِيدُنَا وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ


يَوْمُ النَّحْرِ عِيدُنَا وَأَفْضَلُ أَيَّامِ الْعَامِ

وَالْيَوْمُ يَعُودُ عَلَيْنَا هَذَا الْعِيدُ فِي يَوْمٍ هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ هُوَ يَوْمُ النَّحْرِ، وَيَوْمُ النَّحْرِ هَذَا هُوَ يَوْمُ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ، وَإِنَّمَا سُمِّيَ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ تَقَعُ فِيهِ كُبْرِيَاتُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَفِي هَذَا الْيَوْمِ رَجْمُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ الْكُبْرَى، وَفِيهِ نَحْرُ الْهَدْيِ، وَفِيهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ، وَفِيهِ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ، وَهَذِهِ أَكْبَرُ أَعْمَالِ الْحَجِّ، فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِي بِهَا مَجْمُوعَةً فِي يَوْمِ النَّحْرِ، فِي هَذَا الْيَوْمِ الْعَظِيمِ الَّذِي هُوَ خَيْرُ أَيَّامِ الْعَامِ.

*مُخْتَصَرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِشَعِيرَةِ الْأُضْحِيَّةِ فِي عِيدِ الْأَضْحَى:

عِبَادَ اللهِ! إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَنَا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْعِيدِ مِمَّا هُوَ خَاصٌّ بِهِ وَهُوَ الْأُضْحِيَّةُ، وَبَيَّنَ لَنَا ﷺ شُرُوطَهَا فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُضَحِّي، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ بِزَمَانٍ التَّضْحِيَةِ، وَفِيمَا يَتَعَلَّقُ أَيْضًا بِالْأُضْحِيَّةِ فِي سِنِّهَا وَخُلُّوِهَا مِنَ الْعُيُوبِ.

فَهَذَا الَّذِي يُذْبَحُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ وَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ ذِي الْحِجَّةِ هُوَ الْأُضْحِيَّةُ، يَتَقَرَّبُ بِهَا الْعَبْدُ إِلَى اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وَالنَّبِيُّ ﷺ بَيَّنَ أَنَّهَا -كَمَا بَيَّنَ الْقُرْآنُ- إِنَّمَا تَكُونُ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ مِنَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ ضَأْنِهَا وَمَعْزِهَا، وَبَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ سِنَّهَا، فَالْإِبِلُ مَا بَلَغَ خَمْسَ سِنِينَ، وَالْبَقَرُ مَا بَلَغَ سَنَتَيْنِ، وَأَمَّا الْغَنَمُ: فَالْمَعْزُ مَا بَلَغَ سَنَةً، وَأَمَّا الضَّأْنُ فَمَا بَلَغَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ، لَا يُجْزِئُ مَا دُونَ ذَلِكَ.

وَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الْعُيُوبِ، مِنَ الْعَوَرِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْعَرَجِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْمَرَضِ الْبَيِّنِ، وَمِنَ الْعَجَفِ الَّذِي لَا يُنْقِي كَمَا بَيَّنَ الرَّسُولُ ﷺ، فَلَا تُجْزِئُ أُضْحِيَّةٌ فِيهَا عَيْبٌ مِنْ هَذِهِ الْعُيُوبِ، فَضْلًا عَمَّا فَوْقَهَا مِنَ الْعَمَى وَالْكُسَاحِ وَمَا أَشْبَهَ، وَكَذَلِكَ إِذَا مَا تَقَدَّمَ بِهَا لِرَبِّهِ فِي غَيْرِ الْوَقْتِ الَّذِي بَيَّنَهُ الرَّسُولُ ﷺ.

وَمِنَ السُّنَّةِ فِي هَذَا الْعِيدِ أَنْ يُعَجَّلَ بِالصَّلَاةِ، وَأَمَّا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَشْهَدَ الْخُطْبَةَ فَلَهُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ، إِنْ شَاءَ شَهِدَهَا وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَشْهَدْهَا، لِمَاذَا؟

لِكَيْ يَتَعَجَّلُوا وَيُعَجِّلُوا إِلَى نَحْرِ الْأَضَاحِي ((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، بِسْمِ اللهِ، وَاللهُ أَكْبَرُ)). اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، مِنْكَ تَفَضُّلًا وَجُودًا، مِنْكَ كَرَمًا وَإِكْرَامًا، وَإِلَيْكَ إِخْلَاصًا وَإِخْبَاتًا، ((اللهم مِنْكَ وَإِلَيْكَ، اللهم هَذَا عَنْ فُلَانٍ وَأَهْلِ بَيْتِهِ)).

قَالَ تَعَالَى: {لَن يَنَالَ اللهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَٰكِن يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ} [الحج: 37].

لَنْ تُرْفَعَ إِلَى اللهِ لُحُومُ هَذِهِ الذَّبَائِحِ وَلَا دِمَاؤُهَا، فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَعَنْ عِبَادَتِكُمْ، وَلَمْ يَأْمُرْكُمْ أَنْ تَتَقَرَّبُوا إِلَيْهِ بِذَبْحِهَا لِحَاجَتِهِ إِلَى لُحُومِهَا وَدِمَائِهَا، وَلَكِنْ تُرْفَعُ إِلَيْهِ الْأَعْمَالُ الصَّالِحَةُ وَمَا أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ-.

فَسَارِعُوا إِلَى ذَبْحِ الْأَضَاحِيِّ، وَأَقْبِلُوا عَلَى رَبِّكُمْ وَأَخْلِصُوا لَهُ وَأَنِيبُوا إِلَيْهِ.

*أَظْهِرُوا التَّكْبِيرَ -شَعِيرَةَ الْإِسْلَامِ- فِي هَذَا الْعِيدِ:

عِبَادَ اللهِ! تَكْبِيرُ هَذَا الْعِيدِ مِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ بِعَقَبِ الصَّلَاةِ إِلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مِنَ الْيَوْمِ الثَّالِثِ مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، تَكْبِيرٌ بِعَقِبِ الصَّلَوَاتِ وَتَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ، تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ فِي الشَّوَارِعِ، فِي الْبُيُوتِ، فِي الْأَسْوَاقِ، فِي كُلِّ مَكَانٍ يُكَبِّرُونَ اللهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ.

عِبَادَ اللهِ! أَظْهِرُوا شَعِيرَةَ اللهِ، وَتَمَسَّكُوا بِدِينِ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وَارْجِعُوا إِلَى رَبِّكُمْ، وَأَرُوا رَبَّكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ نِيَّةً صَالِحَةً وَتَوْبَةً صَادِقَةً.

هَذِهِ الْأَعْيَادُ إِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُعَظِّمَ شَعَائِرَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- فِيهَا، فَعَلَيْنَا أَنْ نَفْرَحَ فِيهَا، الْفَرَحُ يَوْمُ الْعِيدِ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

قَالَ تَعَالَى: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} [يونس: ٥٨].

تَصَدَّقُوا -عِبَادَ اللهِ- وَتَوَاصَلُوا، وَتَرَاحَمُوا، وَتَوَادُّوا، وَتَنَاصَرُوا، وَتَحَابُّوا، هَذَا عِيدُكُمْ -عِبَادَ اللهِ-، لَقَدْ قَالَ نَبِيِّكُمْ ﷺ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي ((صَحِيحِهِ)) بِسَنَدِهِ عَنْ نُبَيْشَةَ الْهُذَلَيِّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ)).

وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُبَيِّنُ لِلْمُسْلِمِينَ لِيُبَيِّنُوا لِلْأُمَّةِ حَتَّى يَرِثَ اللهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا أَنَّ نِعْمَةَ اللهِ -تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَيْهِمْ بِمَا جَعَلَ لَهُمْ مِنَ الْأَعْيَادِ؛ إِنَّمَا هِيَ فِي التَّوْسِعَةِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ أَدَائِهِمْ لِطَاعَاتِ كَثِيرَةٍ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

النَّبِيُّ ﷺ أَخْرَجَ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي ((مُسْنَدِهِ))، وَكَذَلِكَ أَبُو دَاوُدَ، وَالْحَاكِمُ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: ((يَوْمُ الْفِطْرِ وَيَوْمُ النَّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيقِ عِيدُنَا أَهْلِ الْإِسْلَامِ)).

فَهَذِهِ الْأَيَّامُ أَيَّامُ أَعْيَادٍ ذَكَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ وَحَدَّدَهَا، وَبَيَّنَ نِعْمَةَ اللهِ -جَلَّتْ قُدْرَتُهُ- عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِهَا، وَلَكِنَّكَ تَلْحَظُ مَلْحَظًا دَقِيقًا فِي قَوْلِهِ ﷺ: ((أَيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ)).

فَلَمَّا ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ؛ جَعَلَهُ مُقْدِّمَةً وَتَوْطِئَةً لِمَا يَأْتِي بَعْدَهُ وَهُوَ ذِكْرُ اللهِ، فَكَأَنَّهُ يُومِئُ ﷺ وَيُرْشِدُ إِلَى أَنَّ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ الْمَغْفُولِ عَنِ الطَّاعَةِ للهِ فِيهَا إِنَّمَا هُوَ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُتَقَوَّى بِذَلِكَ عَلَى ذِكْرِ اللهِ.

*مُخَالَفَاتٌ مُشْتَهِرَةٌ يَوْمَ الْعِيدِ:

وَنَحْرِصُ -إِنْ شَاءَ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى- عَلَى أَلَّا نَأْتِي بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ الْمُخَالِفَةِ لِهَدْيِ نَبِيِّنَا مِنَ الْمُنْكَرَاتِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ مِنَ التَّزَيُّنِ بِحَلْقِ اللِّحْيَةِ وَهُوَ الْأَمْرُ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الرِّجَالِ!! وَمُصَافَحَةِ النِّسَاءِ الْأَجْنَبِيَّاتِ, وَالتَّشَبُّهِ بِالكُفَّارِ وَالْغَرْبِيِّينَ فِي الْمَلَابِسِ, وَاسْتِمَاعِ الْمَعَازِفِ, وَتَبَرُّجِ النِّسَاءِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ اتِّخَاذِ الْمُنْكَرَاتِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ يَقُولُ: «مَنْ تَشَبَّهَ بِقَوْمٍ فَهُوَ مِنهُمُ».

فَالنَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّبَرُّجِ، وَنَهَى عَنِ الِاخْتِلَاطِ، وَنَهَى عَنْ كُلِّ مَا يُثِيرُ الْفِتْنَةَ أَوْ يُؤَدِّي إِلَى إِثَارَةِ الشَّهْوَةِ، وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ دِينِ الْإِسْلَامِ الْعَظِيمِ.

*تَخْصِيصُ يَوْمِ الْعِيدِ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ بِدْعَةٌ:

وَتَخْصِيصُ يَوْمِ الْعِيدِ بِزِيَارَةِ الْقُبُورِ لَيْسَ مِنْ هَدْيِ رَسُولِ اللهِ ، بَلْ هُوَ بِدْعَةٌ مِنَ الْبِدَعِ الْمَرْذُولَةِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ؛ لَا مِنَ الْكِتَابِ وَلَا مِنَ السُّنَّةِ.

 

 

المصدر :قِصَّةُ الذَّبِيحِ وَمَظَاهِرُ الِاسْتِسْلَامِ للهِ فِي الْحَجِّ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  مِنْ أَعْظَمِ مُوجِبَاتِ الْعِتْقِ مِنَ النَّارِ فِي رَمَضَانَ: الصِّيَامُ
  أَمَانَةُ الْكَلِمَةِ وَرِسَالَةٌ إِلَى الدُّعَاةِ إِلَى اللهِ
  مَعْنَى الصِّدْقِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا
  مِنْ أَعْظَمِ حُقُوقِ الطِّفْلِ فِي الْإِسْلَامِ: تَرْبِيَتُهُ عَلَى مِنْهَاجِ النُّبُوَّةِ
  نَمَاذِجُ مِنْ عَفْوِ وَصَفْحِ سَلَفِنَا الصَّالِحِينَ
  الْآثَارُ الْمُدَمِّرَةُ لِلْكَلِمَةِ الْخَبِيثَةِ عَلَى الْمُجْتَمَعِ الْمُسْلِمِ
  حُسْنُ خُلُقِ النَّبِيِّ ﷺ فِي أَعْيُنِ أَتْبَاعِهِ
  مَعْرَكَةٌ تَارِيخِيَّةٌ لِلْجَيْشِ الْمِصْرِيِّ فِي سَيْنَاءَ ضِدَّ الْإِرْهَابِ وَالْخِيَانَةِ
  مِنْ مَعَالِمِ الرَّحْمَةِ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ: إِبْطَالُ الرِّبَا الْمُدَمِّرِ لِلْمُجْتَمَعِ
  أَرْكَانُ مُحَاسَبَةِ النَّفْسِ
  الْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَطَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ
  الرَّعِيلُ الْأَوَّلُ سَادَةُ الدُّنْيَا بِالْإِسْلَامِ
  حَالُ الْمُسْلِمِ فِي شَهْرِ الْحَصَادِ
  المَوْعِظَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : ((غَزْوَةُ بَدْرٍ فُرْقَانٌ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ))
  ثَمَرَاتُ الْمُرَاقَبَةِ وَرِعَايَةِ الضَّمَائِرِ
  • شارك