تفريغ خطبة رمضان .. كيف نحياه؟

رمضان .. كيف نحياه؟

رَمَضَان .. كيف نحياه؟

الجمعة 15 من رمضان 1433هـ / 3/8/2012

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّم.

أَمَّا بَعْدُ:

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102].

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عليكمْ رَقِيبًا﴾ [النساء:1].

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب:70].

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فإنَّ اللهَ تبارك وتعالى- جعلَ القرآنَ مثانيَ، وثَنَّى فيه آياتِ الرحمةِ بآياتِ العذاب، وكرَّر اللهُ ربُّ العالمين فيه القصصَ؛ ليكونَ أبلغَ في العِبَر، وأَزْجَرَ عن المعصية، وليُفيدَ الناسُ منه الفائدةَ المَرْجُوَّة.

وقال ربُّنا تبارك وتعالى- في كتابِهِ المجيد ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: 55].

ولقد يحتاجُ الإنسانُ في كثيرٍ من الأحيانِ إلى طَرْحِ سؤالٍ بعَيْنِه على نفسِه وعلى إخوانِه المسلمين؛ ليكون تَذكرةً لمَن نَسيَهُ، وعِبْرةً وعِظَةً لمَن تذكَّر، وليزدادَ المرءُ به ثباتًا على الحقِّ، وإقامةً على الهُدى، وبَذْلًا للجَهْدِ الصادقِ في سبيلِ اللهِ جلَّ وعلا-:

كيف نحيا رمضان ونحييه -هذا سؤال-؟

ورمضانُ هو الشهرُ الذي خَصَّهُ اللهُ جلَّ وعلا- بنزولِ القرآنِ فيه؛ بل كما ثبتَ عن النبيِّصلى الله عليه وآله وسلم-: فإنَّ التوراةَ والإنجيلَ والزبور وكذلك القرآن المجيد؛ كلُّها نزلت في شهرِ رمضان، فهذا الشهرُ خَصَّهُ اللهُ ربُّ العالمين بنزولِ الوحي المعصومِ فيه؛ هدايةً للناسِ، وفُرقانًا بين الحقِّ والباطلِ، ونبراسًا يُنيرُ دياجيرَ ظُلمةِ المرءِ في سَعيِهِ في هذه الحياة بكلِّ ما فيها من الآلامِ والأحزانِ، وبكُلِّ ما فيها من الهمومِ والغمومِ والأنكادِ.

وبكلِّ ما فيها من المخاطرِ والمكائدِ من مكائدِ النَّفْسِ والشيطانِ والكُفارِ والمُجرمين، وكُلِّ صَادٍّ عن سبيلِ ربِّ العالمين-.

فهذا الشهرُ خَصَّهُ اللهُ ربُّ العالمين بخصائصَ باهرة، وأنزلَ فيه الآياتِ المُبهرة، وجعلَ اللهُ ربُّ العالمين فيه رُكنًا من أركانِ دينِ الإسلامِ العظيم، وهو الصيام، كما في حديثِ ابن عمر رضي اللهُ عنهما- في «الصحيحين» عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «بُنِيَ الإِسْلاَمُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالْحَجِّ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ».

وفي شهرِ رمضان بَعَثَ اللهُ ربُّ العالمين نبيَّهُ الخاتمَ مُحمدًا صلى الله عليه وآله وسلم- برسالةِ الإسلامِ العظيم إلى الناسِ كافة، وهو خاتَمُ النبيين والمُرسلين صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.

في شهرِ رمضان مع ما فيه من الصلاةِ بالقيام، مع ما فيه من إحسانِ الصيام، ومِن تلاوةِ القرآنِ والذِّكْرِ والجُودِ والعطاءِ والبِرِّ، بكُلِّ ما فيه من الخِصال؛ إذا ما فُعِلَت إيمانًا واحتسابًا؛ يكونُ الشهرُ مُكَفِّرًا لِمَا بينه وبينَ الشهرِ الذي بعدهُ.

كما قال الرسولُ صلى الله عليه وسلم-: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتُنِبَتِ الْكَبَائِرُ».

والحديثُ عند مسلمٍ في «الصحيح».

رمضانُ إلى رمضان مُكَفِّرٌ لِمَا بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر.

والصومُ سببٌ لتكفيرِ الذنوب؛ ففي «الصحيحين» عن الرسول صلى الله عليه وسلم- قال: «فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَجَارِهِ تُكَفِّرُهَا الصَّلاةُ وَالصَّومُ وَالصَّدَقَةُ».

والصومُ جُنَّةٌ ووقايةٌ من النارِ، كما في «المُسندِ» بإسنادٍ حسن عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «الصومُ جُنَّةٌ يَسْتَجِنُّ بها العبدُ مِن النَّارِ».

و «الجُنَّةُ»: الوقاية؛ كالدِّرْعِ السَّابِغَة، يَتَحَصَّنُ بها المرءُ من سلاحِ عدوِّهِ، فالصومُ جُنَّةٌ مِن النَّارِ؛ وقايةٌ وسَاتِرٌ وحِجَابٌ بين المرءِ والنَّارِأعاذنا اللهُ جميعًا منها-.

وخُلُوفُ فَمِ الصائمِ أَطيبُ عند اللهِ مِن ريحِ المِسْكِ، والملائكةُ تستغفرُ للصائمين حين يُفطروا.

وهو شهرُ الصبر؛ قال الله جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

وفيه تُصَفَّدُ الشياطينُ، كما في «الصحيحين» عن الرسولِ -صلى الله عليه وسلم-: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ؛ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتْ الشَّيَاطِينُ».

وفيه ليلةُ القَدْرِ، مَن حُرِمَ خَيْرَها؛ فقد حُرِم.

وشهرُ رمضان يغفر اللهُ ربَّ العالمين للصائمين في آخرِ ليلةٍ منه: «ولله -جل وعلا- عتقاء من النار، وذلك كلَّ ليلةٍ من رمضان».

وللصائمِ دعوةٌ مستجابة، كما أخرجَ البيهقيُّ عن أنسٍ بإسنادٍ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم-: «ثَلاَثُ دَعَوَاتٍ لاَ تُرَدُّ: دَعْوَةُ الْوَالِدِ، وَدَعْوَةُ الصَّائِمِ، وَدَعْوَةُ الْمُسَافِر».

فشهرٌ بهذه الخصائص، بهذه الفضائل؛ كيف نحياهُ ونُحييه؟

إنَّ العبدَ الصالحَ يستقبلُهُ ويدومُ على ذلك، يستقبلُهُ بالتوبةِ النَّصوحِ ويدومُ عليها، وبعزيمةٍ صادقةٍ يدومُ عليها؛ على أنْ يغتنمَهُ، وألَّا يُضيِّعَ منه شيئًا، وعلى الإنسانِ أنْ يجتهدَ في شَغْلِ الأوقاتِ بالأعمالِ الصالحات؛ لأنه لا يدري أَيَدُورُ العامُ دَورتَهُ حتى يكونَ من أهلِ الصيامِ مِن قَابِلٍ، أم يكونُ مُغيَّبًا تحت طبقاتِ التراب؟

فذلك غَيْبٌ لا يعلمهُ إلا الله، وعلى المرءِ السعيُ، وبَذْلُ المجهودِ فيما آتاهُ اللهُ ربُّ العالمين من الأسبابِ، راجيًا من اللهِ جلَّ وعلا- القَبول.

إنَّ الأعمالَ التي تُعْمَلُ في رمضان مما يُبْتَغى به وجهُ الرحيمِ الرحمنِ كثيرةٌ:

أوَّلُها: الصيام؛ «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ»، كما قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم- والحديثُ في «الصحيحين».

الصيامُ صيامٌ عن الطعامِ وعن الحرام، وهو من بابِ أوْلَى: أنْ يصومَ عن الزُّورِ والبُهتانِ والغيبةِ والنميمة، وألَّا يجعلَ يومَ صَوْمِهِ ويومَ فِطْرهِ سواءً، وألَّا يكونَ حَظُّهُ من صيامِهِ الجوعَ والعطش، فمَن فَعَلَ ذلك فهو سفيه؛ إذ إنه يصومُ عمَّا أحلَّ اللهُ له من الطعامِ والشراب الذي إنما يُمْنَعُ منه في وقتِ الصوم، وهو حلالٌ فيما دون ذلك، ثم يُقْبِلُ على ما حرَّمَ اللهُ ربُّ العالمين حرَّمَه اللهُ ربُّ العالمين- في الصيامِ وفي غيرِ الصيام.

فالصيامُ أكبرُ الأعمالِ في شهرِ رمضان.

والقيامُ؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا؛ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».

وفي حديثِ السائبِ بن يزيد؛ قال: كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ يعني بالمئاتِ مِنَ الآيات- حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعَصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ.

قال: وَمَا كانوا يَنْصَرِفُونَ إِلا عِندَ الْفَجْرِ.

وهذه أمةٌ قد غيَّبَها التراب أُمَّةٌ خَلَتْ ومَضَت-، وصِرْنَا إلى ضَعْفٍ في العزيمةِ، ورِقَّةٍ في الدينِ، ورَثاثةٍ في الإيمان، والبدنُ إذ لم يَعْتَدْ على الطاعة؛ فإنَّ أَقَلَّ القليلِ منها يُضْنِيهِ ويُتْعِبُهُ، فهذا بدنٌ لم يَعْتَدْ طاعةً، كما تسمعُ من العُتاةِ في أَكْلِ الحرام يقول لك: لا أستغني عن أَكْلِ الحرام؛ لأنه لو أَكَلَ لقمةً واحدةً من الحلالِ؛ ما قَبِلَها جِسْمهُ يَمرضُ-؛ لتَعوُّدِ جَسَدِهِ على الحرام، فالبدنُ الذي اعتاد على المعصية؛ تُضنيه الطاعةُ، وتُشْقِيه، وتُتعبُهُ.

ممَّا هو من أعمالِ هذا الشهرِ، وممَّا يتأكدُ فيه: الصدقةُ والجُودُ بالموجود؛ فعن ابن عباس رضي الله عنهما- قال: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهم عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ بالخير، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَان».

وكان جبريلُ يلقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضان يُدارسُه القرآن- فكان النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم- حين يلقاهُ جبريلُ أجودَ بالخيرِ من الريحِ المُرسلة صلى الله وسلم وبارك عليه-.

لِلصدقةِ في رمضانَ مَزيَّةٌ وخصوصية، فيبادرُ إليها العبدُ المسلم، ويحرصُ على أدائِها بحَسَبِ حالِهِ، وللصدقةِ في رمضانَ صورٌ كثيرة؛ منها: إطعامُ الطعام، وإطعامُ الطعامِ من أبلغِ ما يأتي به العبدُ بلاغةً وبلاغًا في الوصولِ إلى رضوان الله، وسيأتي لهذا مزيدُ بَسْطٍ إن شاء اللهُ جلَّ وعلا-؛ إطعامُ الطعام، وسَقْيُ الماء.

إطعامُ الطعام يجعلُهُ اللهُ ربُّ العالمين وقايةً وجُنَّة من الآثامِ والشرور؛ فإنَّ صنائعَ المعروفِ تقي مصارعَ السُّوء، كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم-: «صنائعُ المعروفِ تقي مصارعَ السوء»، والسلف كانوا أجودَ الخَلْقِ تَبَعًا لنبيِّهم صلى الله عليه وآله وسلم- في بَذْلِ ما يجدونه من طعامٍ وشرابٍ، وكِسْوَةٍ ،وفَضْلِ زادٍ في سبيلِ تحصيلِ مرضاةِ اللهِ ربِّ العالمين؛ لأن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم- قال: «تُطعم الطعامَ، وتقرأ السلامَ على مَن عَرفت ومَن لم تَعرف».

وكذلك تفطيرُ الصائمين، ففيه أجرٌ عظيم؛ قال الرسول صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْل أَجْرِهِ، غير أنه لا يَنْقُصُ مِنْ أجرِ الصائمِ شيء».

أخرجهُ أحمد بإسنادٍ صحيح.

مِنْ أعمالِ هذا الشهر:

الاجتهادُ في قراءةِ القرآن:

كان جبريل يُدارسُ النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلم- القرآنَ في رمضان، وكان السلفُ يتوفرون على كتابِ اللهِ ربِّ العالمين في رمضان، ونُقِلَ في ذلك من الآثارِ ما نُقِل، فهذه نُسَلِّمُ للسلفِ أحوالَهم فيها، ولا نتأسى بِهم فيها!! فمنهم مَن كان يختمُ القرآنَ مرتين في اليومِ الواحد، مرَّةً بالنهارِ، ومرَّةً بالليلِ، ومنهم مَن كان يزيدُ على ذلك خَتْمًا، كان عثمانُ رضي الله عنه- يختمُ القرآنَ كلَّ يومٍ مرَّة، وكان بعضُ السلفِ يختمُ في قيامِ رمضان في كلِّ يومٍ مرَّة، وكان بعضُ السلفِ يختمُ في قيامِ رمضان في كلِّ ثلاثٍ مرَّة، وبعضُهم في كل سَبْعٍ مرَّة، وبعضُهم في كلِّ عَشْر.

 

وإنما وردَ النهيُ عن قراءةِ القرآن في أقلَّ من ثلاثٍ على المداومةِ على ذلك، فأمَّا في الأوقاتِ المُفَضَّلةِ كشهرِ رمضان خصوصًا الليالي التي يُطلبُ فيها ليلةُ القَدْرِ، أو في الأماكنِ المُفَضَّلةِ كمَكَّةَ لِمَن دخلَها مِن غيرِ أهلِها؛ فيُستحبُّ الإكثارُ فيها من تلاوةِ القرآنِ؛ اغتنامًا لفضيلةِ الزمانِ والمكان، وهو قولُ أحمد وإسحاق وغيرِهما من الأئمة، وعليه يدُلُّ عملُ غيرِهم، والله المستعان.

فلا يُعترضُ على ما كان من فِعْلِ السلفِ؛ في أنَّ أحدَهم رُبما ختمَ القرآن في كلِّ يومٍ مرتين؛ مرةً بالنهارِ، ومرةً بالليل بقولِ النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم-: «مَن قرأ القرآنَ في أقلَّ من ثلاثٍ لم يَفْقَهْهُ»، فإنَّ هذا إنما يكونُ على سبيلِ المُداومة، وأمَّا لاغتنامِ الأوقاتِ الفاضلة، وكذلك ما يكونُ من وجودِ المرءِ في الأماكنِ الفاضلة؛ فإنه لا بأس حينئذٍ مِن الإكثارِ من التلاوةِ، والإقبالِ على القرآنِ العظيمِ، وفي ذلك من الفضلِ ما اللهُ به عليم.

مما يُؤتَى به في شهرِ رمضان، وكذلك في سائرِ العام: الجلوسُ في المسجدِ حتى تطلُعَ الشمسُ؛ فعن جابر بن سَمُرَة : «أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم- كان إذا صلَّى الفجرَ؛ جلسَ في مُصلَّاهُ حتى تطلُعَ الشمسُ حسنًاأي: طلوعًا حسنًا-».

أخرجهُ مسلمٌ في «صحيحه».

وأخرج الترمذيُّ بحديثٍ صحيحٍ بشواهدهِ عن أنسٍ رضي اللهُ عنه-، أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ صَلَّى الْفجرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ؛ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ».

فهذا في كلِّ الأيام؛ فكيف في رمضان؟!

يُصلِّي الصُّبحَ في جماعة، ثم يقعدُ يذكرُ اللهَ تبارك وتعالى- حتى تطلُعَ الشمس، ثم يُصلِّي ركعتين، إنْ فَعَلَ؛ كانت له كأجرِ حَجَّةٍ وعُمرةٍ تامةٍ تامةٍ تامة.

مما يكونُ في رمضان: الاعتكاف؛ فـ«كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم- يعتكفُ في كلِّ رمضانَ عَشْرةَ أيام، فلمَّا كان العامُ الذي قُبِضَ فيه؛ اعتكف عشرين يومًا».

والحديثُ عند البخاريُّ في «الصحيح».

والاعتكافُ من العباداتِ التي تجمعُ كثيرًا من الطاعات؛ من التِلاوةِ والصلاةِ والذِّكرِ وغيرِها، وآكَدُ الاعتكافِ في العَشْرِ الأواخرِ تَحَرِّيًا ليلةِ القَدْرِ، والاعتكافُ هو الخَلوةُ المشروعة، يفعلُهُ المرءُ من الخُلوِّ بنفسِهِ بعيدًا عن الناس؛ من أهلٍ وصاحبٍ وولد، وإقبالٍ على اللهِ ربِّ العالمين، ولأن الإنسانَ إذا فَعَلَ ذلك؛ كان آخذًا بسُنَّةِ نبيِّهِ صلى الله عليه وسلم-، لا كالخلوةِ البِدعية التي شَرَعَها للأتباعِ الخُرافيون، وإنما هذا من سُننِ النبيِّ المأمون صلى الله عليه وسلم-.

والمُعتكِفُ حَبَسَ نَفْسَهُ على طاعةِ اللهِ وذِكْرِهِ، وقَطَعَ نَفْسَهُ عن كلِّ شاغلٍ يشغلُه عن ربِّهِ، وعكفَ بقلبِهِ وقالَبِهِ على ربِّهِ وما يُقَرِّبُهُ منه، فما بقيَ له هَمٌّ سوى اللهِ وما يُرضيه عنه.

والعُمرةُ في رمضان؛ قال فيها الرسولُ صلى الله عليه وآلهِ وسلم-: «عمرةٌ في رمضانَ كحَجَّةٍ مَعِي»، فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم- لمَّا رَجَعَ من حَجَّة الوداعِ قال لامرأةٍ من الأنصار اسمُها أمُّ سِنان: «ما منعكِ أنْ تَحُجِّي معنا؟».

قالت: أبو فلان تعني زوجَها- له ناضحان؛ حَجَّ على أحدِهما، والآخَرُ نَسْقِي عليه.

فقال لها النبيُّ صلى الله عليه وسلم-: «فإذا جاء رمضانُ فاعتمري، فإنَّ عمُرةً فيه تعدلُ حَجَّةً، أو قال: حَجَّةً معي».

فالعمرةُ في رمضان كحَجةٍ في الأجرِ مع النبي العَدْنَانِ صلى الله عليه وآله وسلم-.

لمَّا كانت التَّخْلِيَةُ مُقَدَّمةً على التَّحْلِيَةِ؛ فَلْنُرَكِّز على أمرين، أمَّا أحدُهما؛ فَتَخْلِيَةٌ، وأمَّا الآخَرُ؛ فَتَحْلِيَةٌ.

فأمَّا الأمرُ الأول: فهو تطهيرُ اللسانِ من آفاتِه، وقد رَهَّب النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم- الصائمَ من الغِيبة والفُحش، وقَولِ الزُّور والكذب.

فعند البخاري في «الصحيحِ» من رواية أبي هريرة رضي الله عنه- قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

وفي روايةٍ للنسائيِّ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالجَهْلَ وَالعَمَلَ بِهِ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِي أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».

يَدَعَ: أي يترك، وأمَّا الجهلُ هاهنا؛ فهو الذي ضِدُّ الحِلْم، ليس بالذي هو ضِدُّ العِلم، الجهلُ هاهنا: السفاهةُ، والنَّزَقُ، والطَّيْشُ، والخِفَّةُ، والاندفاعُ في ردِّ الفِعْل من غير ما كابحٍ ولا ضَابِطٍ.

وروى الطبرانيُّ في «الصغير» و«الأوسط» من حديثِ أنسٍ رضي اللهُ عنه- عن الرسول صلى الله عليه وسلم-: «مَن لم يَدَع الخَنَا والكذب؛ فلا حاجةَ للهِ أنْ يَدَعَ طعامَهُ وشرابَه».

واللهُ ربُّ العالمين قد بيَّنَ لنا أنَّ الإنسانَ إذا اغتاب أخاه؛ فكأنما أكلَ لحمَهُ مَيْتًا، وهو أمْرٌ تكرههُ الطِّباع، وتَنفرُ منه النفوس؛ ولكنْ هكذا هو في قُبْحِهِ، هكذا هو في شناعتِه.

«إذا كان يومُ صومِ أحدِكم؛ فلا يرفُثوالرَّفَثُ: هو ذِكْرُ الجماعِ ومُقدماتِ الجِماعِ عند النساءِ خاصة- فلا يرفُثْ ولا يصْخَب، فإنْ سابَّهُ أحدٌ أو قاتلَهُ؛ فليقُل: إني صائمٌ، إني صائم».

رواه البخاريُّ ومسلم، واللفظ للبخاريِّ.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الأَكْلِ وَالشُّرْبِ، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، فَإِنْ سَابَّكَ أَحَدٌ أَوْ جَهِلَ عَلَيْكَ؛ فَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ ، إِنِّي صَائِمٌ».

رواه ابنُ خُزيمة وابنُ حِبان، وهو حديثٌ صحيح.

«رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ, وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ».

هذا الحديثُ رواه ابن ماجه بإسنادٍ صحيح.

ورُبَّ صائمٍ حَظُّهُ من صيامِهِ الجوعُ والعطش، وَرُبَّ قائمٍ حَظُّهُ من قيامِه السَّهر.

إنَّ اللهَ فَرضَ العبادات لحِكَمٍ جَليَّاتٍ جليلاتٍ باهرات، عَلِمْنَا منها ما عَلِمْنَا، وجَهِلْنَا منها ما جهلنا، وحكمةُ اللهِ لا يحيطُ بها أحدٌ من خَلْقِهِ؛ غيرَ أنَّ الحِكَمَ الظاهرة فيما يتعلقُ بالعباداتِ بيَّنَها لنا ربُّنا جلَّ وعلا-:

الصلاةُ تنهَى عن الفحشاء والمُنكرِ والبَغي.

الصيام يُحَصِّلُ به الصائمُ التقوى.

الزَّكاة تُطَهِّرُ النَّفسَ والمال، إلى غير ذلك من تلك الحِكم.

فإذا لم تكن هذه الغايات مُحصَّلةً للعابدِ؛ فما عَبَد، كما قال الرسول: «رُبَّ صَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ صِيَامِهِ إِلا الْجُوعُ والعَطَش, وَرُبَّ قَائِمٍ لَيْسَ لَهُ مِنْ قِيَامِهِ إِلا السَّهَرُ والنَّصَب».

هذا مِسكين؛ لأن الصيامَ مَدْعاةٌ لتحصيلِ التقوى في النَّفْسِ، فلمَّا لم يتحصل من ذلك شيءٌ، وكان الصائمُ مُسَلَّطًا على صومِهِ ليُهلِكَهُ ويُبَدِّدَه، لم يَعُدْ ولا بخُفيِّ حُنَيْن، ولا بقبضةٍ قد مُلئت ذُبابًا، وإنما عاد بقبضِ الريحِ، ويا ليْتَهُ عاد بذلك فقط، وإنما هو مأثوم، كان يتمنى أنْ يكونَ مأجورًا، فعادَ مأزورًا.

رُبَّ قائمٍ حَظُّهُ من القيامِ السَّهر، ورُبَّ صائمٍ حَظُّهُ من الصيامِ الجوعُ والعطش، فيَنْصَبُ ما يَنْصَبُ، يتعبُ ما يتعبُ، يَجِدُّ ويجتهدُ؛ ويأتي بعبادةٍ لا رُوحَ فيها، أو يُسَلَّطُ عليها بما يُفْنِيها، فلم يُحَصِّل إلا عناءً، ولم يرجع إلا بشقاءٍ دائمٍ مُلازمٍ، وإنْ لم يغفر له ربُّه؛ عاقبهُ في الآخرةِ على ما وقعَ منه، إمَّا من الرياءِ وطلبِ المَحْمَدَةِ والسُّمعة، فيُحبِطُ العملَ، ولا يبقى منه شيءٌ يرضاهُ اللهُ ربُّ العالمين؛ «أنا أغنى الشركاءِ عن الشِّركِ، فمَن أشركَ معي غيري؛ تركتُهُ وما أشرك»، كما قال اللهُ جلَّ وعلا- في الحديثِ القُدُسيِّ الصحيح.

إنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم- في أعظمِ مَحفَلٍ شَهِدَهُ، وشَهِدَهُ معهُ أصحابُهُ رضوانُ الله عليهم-؛ قال مُبَلِّغًا أصحابَهُ والأُمةَ مِنْ بَعْدِهِ إلى يومِ الدين: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ حَرَامٌ عَليكُم كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، أَلَا هَل بَلَّغْت؟». والحديثُ في «الصحيحين».

وعند مسلمٍ من رواية أبي هريرة: «كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ؛ دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ».

وروى الطبرانيُّ في «الأوسط» عن البراءِ بن عازب رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «الرِّبَا اثنانِ وسبعونَ بابًا، أدناها مِثْلُ إتيانِ الرَّجُلِ أُمَّه، وإنَّ أربَى الرِّبَا: استطالةُ الرجلِ في عِرْضِ أخيه». والحديثُ صحيحٌ لغيرهِ.

«الرِّبَا اثنانِ وسبعونَ بابًا، أدناها أي: أقلُّها، أقلُّ درجةٍ في الربا: مِثْلُ إتيانِ الرجلِ أُمَّه، فأقلُّ درجةٍ في الربا كأكبرِ درجةٍ في الزنا، وهو زِنا المحارم،؛ إتيانُ الرجلِ أُمَّه، وهي أدنى درجةٍ في الربا، ومع ذلك؛ أعظمُ الربا: استطالةُ الرجلِ في عِرضِ أخيه- وإنَّ أربَى الرِّبَا استطالةُ الرجلِ في عِرْضِ أخيه».

وروى ابنُ أبي الدنيا في كتاب «ذَمِّ الغيبة» من روايةِ أنسٍ رضي الله عنه- قال: خَطَبَنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم-، فذكر أَمْرَ الربا وعَظَّمَ شأنَه؛ وقال: «إنَّ الدِرهمَ يُصيبهُ الرجلُ من الربا أعظمُ عند اللهِ في الخطيئةِ من ستٍ وثلاثين زَنْيَةً يَزْنِيهَا الرجُل دِرهمُ ربا أعظمُ عند الله من ستٍّ وثلاثين زَنية-.

هكذا يُبيَّنُ لنا نبيُّنا خطورةَ هذا الأمر، ثم يقول: وإنَّ أربى الربا: عِرضُ الرجلِ المسلم».

والحديثُ صحيحٌ لغيرهِ.

وكذا عن أبي هريرة رضي الله عنه: «مِن أربى الربا: استطالةُ المرءِ في عِرضِ أخيه».

رواه البزارُ بإسنادٍ صحيحٍ لغيرهِ.

وأيضًا: «الربا سبعون حُوبًا أي: إثْمًا- وأيسرُها كإنكاحِ الرجلِ أُمَّه، وإنَّ أربى الربا: عِرضُ الرجلِ المسلم».

فأقلُّ درجةٍ في الربا هي أعلى درجةٍ في الزنا، وأعلى درجةٍ في الربا الذي أقلُّ درجةٍ منه كأعلى درجةٍ في الزنا؛ أكبرُ درجةٍ في الربا: عِرضُ المسلم.

عن سعيد بن زيدٍ رضي الله تعالى عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ من أربى الربا: الاستطالةَ في عِرضِ المسلمِ بغيرِ حقٍّ». رواه أبو داود.

وعن عائشة رضي الله عنها- قالت: قلتُ للنبي صلى الله عليه وسلم-: حسْبُك مِنْ صَفيَّةَ كذا وكذا قال بعضُ الرواة: تعني قَصِيرَة-.

فقال: «لقد قُلتِ كلمةً لو مُزجت بماءِ البحرِ لمَزَجتْهُ».

قالت: وحَكَيْتُ له إنسانًا أي مَثَّلْتُهُ له في صوتِهِ، في حَرَكَتِهِ، في مِشْيَتِهِ-.

فقال: «ما أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ إنسانًا، وأنَّ لي كذا وكذا».

رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.

وعن عائشةَ رضي اللهُ عنها- أنه اعْتَلَّ بَعِيرٌ لصفيَّةَ بنتِ حُيِّيّ، وعند زينبَ فَضْلُ ظَهرٍ أي عندها بعيرٌ لا تحتاجهُ-.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم- لزينب: «أَعْطِيهَا بعيرًا».

فقالت: أنا أُعْطِي تلك اليهودية؟!

«فغَضِبَ رسولُ صلى الله عليه وسلم-، فهجرَها ذا الحَجَّة والمُحَرَّم وبعضَ صَفَر». رواه أبو داود.

وعن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، فيما رواه الأصبهانيُّ بإسنادٍ حسن: أنهم ذكروا عند الرسول صلى الله عليه وسلم- رَجُلًا، فقالوا: لا يَأْكُلُ حتى يُطْعَمَ، ولا يَرْحَلُ حتى يُرَحَّلَ له.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم-: «اِغْتَبْتُمُوهُ».

فقالوا: يا رسول الله؛ إنما حَدَّثْنَا بما فيه.

قال: «حَسْبُكَ إذا ذَكرتَ أخاكَ بما فيه».

عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه- قال: كُنَّا عند النبي صلى الله عليه وسلم-، فقام رَجُلٌ، فوقعَ فيه رَجُلٌ مِنْ بَعْدِهِ.

فقال النبيُّ صلى الله عليه وسلم-: «تَخَلَّلْ».  فقال: ومما أَتَخَلَّلُ؟ ما أَكَلْتُ لحمًا!

قال: «إنك أَكَلْتَ لحمَ أخيك». وهذا الحديثُ حديثٌ صحيحٌ لغيرِهِ، رواه ابنُ أبي شَيْبَة والطبرانيُّ، واللفظُ له.

وعن عمرو بن العاص رضي الله عنه-، أنه مرَّ على بَغْلٍ ميت، فقال لبعض أصحابه: «لأن يأكلَ الرجلُ من هذا حتى يَمْلَأَ بطنَه؛ خيرٌ له من أن يأكلَ لحم رجلٍ مسلم».

وعن أنس رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «لَمَّا عُرِجَ بي؛ مررتُ بقومٍ لَهم أظافِرُ من نُحاسٍ يخمِشونَ وجوهَهم وصدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟».

قالَ: «هؤلاءِ الَّذينَ يأكُلونَ لحومَ النَّاسِ، ويَقَعُونَ في أعراضِهِمْ». رواه أبو داود بإسنادٍ صحيح.

وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما- قال: كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم-، فارْتَفَعَتْ رِيحٌ مُنْتِنَةٌ.

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «أتدرون ما هذه الرِّيحُ؟ هذه رِيحُ الذين يغتابون المؤمنين».

رواه أحمد بإسنادٍ حسنٍ لغيرهِ.

النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم- يُحَذِّرُ مِنْ أكْلِ لحومِ الناس، ومِنَ الوُقُوعِ في أعراضِهم، فَتَخْلِيَةُ اللسانِ مِنْ آفاتِه مِنْ أَهمِّ ما ينبغي أن يُدَرِّبَ المرءُ نَفْسَهُ عليه في هذا الشهر، وأنْ يُمسِكَ لسانَه إلا عن خَير؛ لأن المرءَ قد يأتي يومَ القيامةِ بأعمالٍ صالحات، فيأخُذُ هذا من حسناتِهِ، وهذا من حسناتِهِ، حتى إذا فَنيَت؛ أُخِذَ من سيئاتِهم؛ فطُرِحَ عليه، ثم طُرِح في النار.

عن أبي هريرة رضي الله عنه-، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «أتدرون مَنِ المُفْلِس؟»

قالوا: المفلس فينا مَن لا درهم له ولا متاع.

قال: «إنَّ المفلسَ من أمتي: من يأتي يوم القيامة بصلاةٍ وصيامٍ وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا،وسَفَكَ دم هذا، وضرب هذا، فيُعطَى هذا من حسناته، وهذا من حسناتِه، فإن فنيت حسناتُهُ قَبْلَ أن يُقْضَى ما عليه، أُخذ من خطاياهم، فطُرحت عليه، ثم طُرح في النار».

رواه مسلم في «صحيحه».

وليست الغيبة أنْ تذكرَ أخاك بما ليس فيه؛ هذا بُهتان، وأمَّا الغِيبة؛ فأنْ تذكرَ أخاكَ بما هو فيه مما يكرهُهُ.

قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم-: «أتدرون ما الغيبة؟»

قالوا: الله ورسوله أعلم.

قال: «ذِكْرُكَ أخاك بما يَكره».

قيل: أفرأيتَ إنْ كان في أخي ما أقول؟

قال: «إنْ كان فيه ما تقول؛ فقد اغتبتَهُ، وإنْ لم يكن فيه ما تقول؛ فقد بَهتَّهُ».

وقال صلى الله عليه وسلم-:  «مَنْ قال في مؤمنٍ ما ليس فيه؛ أسكنهُ اللهُ رَدْغَةَ الخَبَالِ، حتى يَخْرُجَ مما قال». رواه أبو داود بإسناد صحيح.

وردغةُ الخبال: عُصارةُ أهلِ النار.

نسألُ اللهَ السلامةَ والعافية.

فنُطَهِّر اللسانَ من آفاتِهِ، هذه التخلية، والتخليةُ مُقَدَّمةٌ على التحلية، ألَا ترى إنك إنْ تلوتَ القرآن، وذَكرتَ اللهَ ربَّ العالمين، وسَبَّحْتَهُ؛ وهذه تحلية تأتي بها باللسان، ولم تُخَلِّ اللسانَ من آفاتِهِِ، بَدَّدَ عليك اللسانُ بآفاتِهِ ما حَصَّلتهُ من حسنات؟!

فالتخليةُ مُقَدَّمةٌ على التحلية.

لا يُعَكِّرُ على هذا: أنْ نتكلمَ في أصحابِ البدع، وأن نذكرَهم بما فيهم، وأنْ نُحّذِّرَ منهم، وأنْ نُنفِّرَ الناسَ عنهم، وعن مسالكِهم، وعن بِدعِهم، وعن مناهجِهم؛ شريطةَ أنْ يكونَ بإخلاصٍ وعِلمٍ وحِلم.

وكان بعضُ السلفِ من علمائِنا من أهلِ الجرحِ والتعديل إذا لقيَ أخاه؛ قال له: اجلس بنا نغتب في اللهِ ساعة، اجلس بنا لنغتابَ في اللهِ ساعة، ما تقولُ في فلان؟

يقول: فلانٌ لا يَسْوِي بَعْرَة، فلانٌ هذا ضعيفُ الحِفظ، فلانٌ هذا فيه كذا.

فذِكْرُ الرواةِ بما فيهم، والدلالةُ على أهلِ البدع، والتحذيرُ منهم من أعظمِ ما يُتقربُ به إلى الله، وليس بداخلٍ في الغيبةِ المذمومة، فهذا شيءٌ آخر شيءٌ برأسِه-، ومِن أعظم ما يُتقربُ به إلى الله: التنفيرُ مِن أهلِ البدع، ومن مسالكِهم، ومن مناهجِهم؛ شريطةَ ألَّا يُفْتَرَى عليهم، وأنْ يُعدلَ فيهم، وأنْ يُتكلمَ فيهم بإخلاصٍ وعِلمٍ وحِلم، فمَن فَعَلَ ذلك؛ فقد أتى بشيءٍ من هَدْي السلفِ الصالحين، ومَن لم يفعل ذلك كذلك؛ فقد ظلمَ نَفْسَهُ؛ أنْ يتكلمَ بجهل، أو أنْ يتكلمَ بجَوْر، أو أنْ يتكلمَ بعلمٍ وعدلٍ؛ ولكن من غيرِ نيةٍ صادقة؛ كأن تكونَ بينه وبين مَن يتكلمُ فيه مُنافَرَة، ويكونُ فيه ما يقولُ وما يُحَذِّرُ منه؛ ولكنَّ النيَّةَ غيرُ حاضرة، فلابد من الإخلاص، ولابد من العِلم، ولابد من العدل.

فإذا توفرت هذه الشروط، وهي: الإخلاصُ، والعِلمُ، والعدلُ؛ فحينئذ تكونُ قُربةً إلى الله ربِّ العالمين، وإلَّا كانت مِن أكبرِ المعاصي، كما قال ابنُ دَقِيقِ العيد: «إنَّ أعراضَ المسلمين حُفرةٌ على شَفِيرِ جهنم، يقفُ عليها الحُكَّامُ والعلماء».

فعلى على الإنسانِ أن يتقيَ اللهَ تبارك وتعالى-، وألَّا يخلطَ بين النصوص، وإنما يُجرِي كلًّا في مَجْرَاه، والله يرعاه ويتولاه، ويُسَدِّدُ على طريقِ الحقِّ خُطاه.

واللهُ المستعان، وعليه التُّكْلَان.

وصلى اللهُ وسلم على نبيِّنا مُحمدٍ، وعلى آله وأصحابهِ أجمعين.

﴿الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -صَلَّى اللهُ عَليه وآلهِ وسَلَّم- صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فأمَّا الأمرُ الثاني: فهو التأسِّي بجُودِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم-؛ خاصةً في رمضان.

ففي «الصحيحين» عن ابن عباسٍ رضي اللهُ عنهما- قال: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم- أجودَ الناس، وكان أجودُ ويجوزُ أيضًا وهي رواية: أجودَ- وكان أجودُ ما يكونُ في رمضان حين يلقاهُ جبريل، وكان جبريلُ يلقاه في كلِّ ليلةٍ من رمضان، فيُدارسُهُ القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم- حين يلقاه جبريل أجودُ بالخيرِ من الريحِ المُرسلَة صلى الله عليه وسلم-».

لقد رغَّبَ النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم- في تفطيرِ الصائم، وإطعامِ الطعام، وسَقْيِ الماء.

ففي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو رضي اللهُ عنهما- أنَّ رجُلًا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: أيُّ الإسلامِ خَير؟

قال: «تُطعمُ الطعام، وتقرأ السلام على مَن عرَفت ومَن لم تعرف».

وروى الترمذيُّ بإسنادٍ صحيحٍ لغيرِهِ عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «اعبدوا الرحمن، وأطعموا الطعام، وأفشوا السلام؛ تدخلوا الجنَّةَ بسلام».

وعنه رضي الله عنه-، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا».

فَقَالَ أبو مالكٍ الأشْعَريُّ: لِمَنْ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ». رواهُ الطبرانيُّ في «الكبير»، وإسنادهُ حسن.

وعن أبي مالكٍ الأشعريِّ رضي الله عنه-، عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا أي: مَن يكونُ بداخلِها يَرَى ظاهرَها، ومَن يكونُ خارجَها يرى باطنَها- إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا، أَعَدَّهَا اللهُ تَعَالَى لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلامَ، وَصَلَّى بالليلِ والنَّاسُ نيَام».

رواهُ ابن حِبَّان بإسنادٍ صحيحٍ لغيرهِ.

وعن حمزةَ بنِ صُهَيْبٍ، عن أبيه رضيَ الله عنه- قال: قال عُمَرُ لصُهيب: فيك سَرَفٌ في الطعام.

فقال: إني سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- يقول: «خيارُكم مَن أطعمَ الطعام».

رواه أبو الشَّيْخ في كتابِ «الثواب»، وإسناده حسن.

يعاتبهُ عُمر في كثرةِ إطعامِهِ الناس، وفي كثرةِ ما يُنْفِقُ على ذلك.

فقال: سمعتُ الرسول صلى الله عليه وسلم- يقول: «خيارُكم مَن أطعمَ الطعام».

وعن عبد الله بن سلام -رضي الله عنه- قال: أولَ ما قَدِمَ رسولُ اللهُ -صلى الله عليه و سلم- المدينة انْجَفَلَ الناسُ إليه، فكنتُ فيمن جاءَهُ، فلمَّا تأملتُ وجهَهُ، وَاسْتَثْبَتُّهُ؛ علمتُ أنَّ وجهَهُ ليس بوجهِ كذَّاب.

قال: وكان أولُ ما سمعتُ مِن كلامِهِ: «أيُّها الناس؛ أفشوا السَّلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيام؛ تدخلوا الجنَّةَ بسلام». رواه الترمذي بإسنادٍ صحيح.

أولُ بيانٍ في المدينة عندما انجفلَ الناسُ إليه عند قدومِهِ مُهاجرًا صلى الله عليه وسلم-: هذا البيان؛ «أفشوا السَّلام، وأطعموا الطعام، وصلُّوا بالليلِ والناسُ نيام؛ تدخلوا الجنَّةَ بسلام».

وعن عائشة -رضي الله عنها- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إنَّ اللهَ لَيُرَبِّي لأَحَدِكُمُ التَّمْرَةَ وَاللُّقْمَةَ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ, حَتَّى يَكُونَ مِثْلَ أُحُدٍ». رواه ابن حبان بإسنادٍ صحيح.

وعن البراء بن عازب رضي اللهُ عنه- قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقال: يا رسول الله علِّمني عملًا يُدخلني الجنَّة.

قال: «إنْ كنتَ أَقْصَرْتَ الخُطبة؛ فقد أَعْرَضْتَ المسألة، أَعتِق النَّسَمَةَ، وفُكَّ الرَّقَبَةَ، فإنْ لم تُطِق ذلك؛ فأَطعِم الجائع، واسْقِ الظَّمآن».

رواه أحمد وابن حبان بإسنادٍ صحيح.

«أَطعِم الجائع، واسْق الظَّمآن».

عن أبي هريرةَ رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ؛ اسْتَطْعَمْتُكَ، فَلَمْ تُطْعِمْنِي».

قَالَ: يَا رَبِّ وَكَيْفَ أُطْعِمُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟

قَالَ: «أَمَا عَلِمْتَ أَنَّهُ اسْتَطْعَمَكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تُطْعِمْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ أَطْعَمْتَهُ لَوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي، يَا ابْنَ آدَمَ؛ اسْتَسْقَيْتُكَ، فَلَمْ تَسْقِنِي».

قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَسْقِيكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ؟

قَالَ: «اسْتَسْقَاكَ عَبْدِي فُلَانٌ، فَلَمْ تَسْقِهِ، أَمَا إِنَّكَ لَوْ سَقَيْتَهُ لوَجَدْتَ ذَلِكَ عِنْدِي».

رواه مسلم.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ صَائِمًا؟»

قَالَ أَبُو بَكْرٍ -رضي الله عنه-: أَنَا.

قَالَ: «مَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟»

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

قَالَ: «مَنْ تَبِعَ مِنْكُمْ الْيَوْمَ جَنَازَةً؟»

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

فَقَالَ: «مَنْ عَادَ الْيَوْمَ مَرِيضًا؟»

قَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَنَا.

فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-: «مَا اجْتَمَعت هذه الخصالُ قط فِي رَجُلٍ في يَوْمٍ إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ».

رواه ابنُ خُزيمة بإسنادٍ صحيح.

وعن عُمَر رضي الله عنه- قال: سُئِلَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم-: أيُّ الأعمالِ أفضل؟

قال: «إدخالُك السرورَ على مؤمنٍ -أشْبَعتَهُ من جُوع، كَسَوتَهُ مِن عُرْيٍ، قَضْيتَ لَه حَاجَة، أعَنْتَهُ، فَرَّجْتَ له كَرْبًا بإذنِ ربِّهِ-».

أيُّ الأعمالِ أفضل؟

قال: «إدخالُك السرور على مؤمنٍ؛ أشْبَعْتَ جَوعَتَه, أو كَسَوتَ عَورَتَهُ، أو قَضْيتَ لَه حَاجَة». رواه الطبرانيُّ في «الأوسطِ» بإسنادٍ حسن.

وروى أبو الشَّيْخ في «الثواب» من حديثِ ابن عُمر بنحوِهِ، وفي رواية: «أحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجل-: سرورٌ تُدخلُه على مُسلمٍ، أو تكشفُ عنه كُربة، أو تطردُ عنه جُوعًا، أو تقضي عنه دَيْنًا». وهو حديثٌ حسنٌ لغيرِه.

عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما-، أنَّ رجُلًا جاء إلى رسولِ الله صلى الله عليه وسلم-، فقال: إِنِّي أَنْزِعُ في حَوْضِي، حَتَّى إِذَا مَلأْتُهُ لإِبَلِي؛ وَرَدَ عَلَىَّ الْبَعِيرُ لِغَيْرِي؛ فَسَقَيْتُهُ، فَهَلْ لِي في ذَلِكَ مِنْ أَجْرٍ؟.

قَالَ رَسُولُ اللَّهِ- صلى الله عليه وسلم-: «في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ حَرَّى أَجْرٌ». رواه أحمد بإسناد صحيح.

 

وعن محمود بن الربيع، أنَّ سُراقةَ بنَ جُعْشُمٍ قال: يا رسول الله؛ الضَّالَّةُ تَرِدُ على حوضي، فهل لي فيها مِن أجرٍ إنْ سقيتُها؟

قال: «اسْقِهَا، فإنَّ في كلِّ ذاتِ كَبِدٍ حَرَّى أجرًا».

رواهُ ابنُ حِبَّان بإسنادٍ صحيح.

سَقيُ الماء؛ حتى ولو للكلابِ؛ حتى ولو كان للكلبِ الضَّال؛ فيه أجرٌ عند الكبيرِ المُتعال.

ففي «الصحيحين» عن أبي هريرةَ رضي الله عنه-، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- قال:

«بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيقٍ؛ اشْتَدَّ عَلَيْهِ الْحَرُّ, فَوَجَدَ بِئْرًا, فَنَزَلَ فِيهَا, فَشَرِبَ ثُمَّ خَرَج، فإذا كلبٌ يَلْهَثُ، يأكلُ الثَّرَى من العَطَشِ، فقالَ الرَّجُلُ: لقد بَلَغَ هذا الكلبَ من العطَشِ مِثْلُ الذي كان بَلَغَ مِنِّي، فنزلَ البِئرَ، فملأَ خُفَّهُ، ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفيه حتى رَقِيَ أي: صَعِدَ- فسَقَى الكلبَ، فشَكَرَ اللهُ له، فَغَفَرَ له».

قالوا: يا رسول الله؛ إنَّ لنا في البهائمِ أجرًا؟

قال: «في كُلِّ كَبدٍ رَطبةٍ أجرٌ».

«فشكرَ اللهُ له؛ فأدخلهُ الجَنَّة». في روايةِ ابن حِبان بإسنادٍ صحيح.

«فشكرَ اللهُ؛ فأدخلهُ الجنَّة»؛ لأنه سَقى كلبًا كان يلهثُ مِن شِدَّةِ العَطشِ؛ يأكلُ الثَّرى من عطشِهِ والثَّرى: الترابُ المُنَدَّى-.

 

عن أنس بن مالكٍ رضي اللهُ عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «سَبْعٌ تَجْرِي لِلْعَبْدِ بَعْدِ مَوْتِهِ وَهُوَ فِي قَبْرِهِ: مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، أَوْ كَرَى نَهْرًا، أَوْ حَفَرَ بِئْرًا، أَوْ غَرَسَ نَخْلًا، أَوْ بَنَى مَسْجِدًا، أَوْ وَرَّثَ مُصْحَفًا، أَوْ تَرَكَ وَلَدًا يَسْتَغْفِرُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِهِ».

رواهُ البَزَّارُ وأبو نُعيْمٌ في «الحِلية»، وهو حديثٌ حسنٌ لغيرِه.

«لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِن ماء».

رواهُ البيهقيُّ بإسنادٍ حسنٍ لغيرهِ.               

«لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِن ماء».

يحفرُ بئرًا، يجعلُ للناسِ صُنْبُورًا في سبيل، يبذلُ الماءَ لابنِ السبيلِ والعطشان؛ «لَيْسَ صَدَقَةٌ أَعْظَمَ أَجْرًا مِن ماء».

عن أنسٍ رضي اللهُ عنه-، أنَّ سعدًا أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم-؛ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ أُمِّي تُوُفِّيَتْ، وَلَمْ تُوصِ، أَفَيَنْفَعُهَا أَنْ أَتَصَدَّقَ عَنْهَا؟

قَالَ: «نَعَمْ، وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ». رواه الطبرانيُّ في «الأوسط» بسندٍ صحيح.

فاختارَ له الماء، أنْ يحفُرَ لها بِئرًا، أنْ يجعلَ لها سبيلًا؛ «وَعَلَيْكَ بِالْمَاءِ».       

عن سعد بن عُبادة رضي الله عنه-، قلت: يا رسول الله؛ إنَّ أُمِّي ماتت، فأيُّ الصَّدَقَةِ أفضل؟

قال: «الماء».      

فحفرَ بِئرًا، وقال: هذه لأُمِّ سَعْد.

رواه أبو داود وابن ماجه وابنُ خُزَيمة، وهو حديثٌ حسن لغيرِهِ.

وفي رواية: قلت: يا رسول الله؛ أيُّ الصَّدَقَةِ أفضل؟

قال: «سَقيُ الماء».

عن جابرٍ رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم-: «مَن حَفَرَ ماءً؛ لم يشرب مِنه كَبِدٌ حَرَّى مِن جِنٍّ ولا إنسٍ ولا طائر؛ إلَّا آجَرَهُ اللهُ يومَ القيامة».

سَقيُ الماء، والناس يعانون في هذا الزمانِ مِن شُحِّ الماء؛ حتى لِرَيِّ زُرُوعِهم.

فمَن جعلَ لهم وسيلةً إلى ريِّ زروعِهم بما يتخذُهُ الناسُ في هذا العصر مِن وسائل؛ فقد فَعَلَ فِعْلًا مِن أفضلِ ما يُحبُّهُ اللهُ ويرضاه، ويُثيبُ عليه.

تَلَوُّثُ المياه شائعٌ ذائعٌ لا يخفَى، وتَدِبُّ بسببِهِ أمراضٌ تَفتِكُ بالأجسادِ وتَفْرِيها فَرْيًا، فمَن شَارَكَ أو صَنَعَ لهم صنيعًا يكونُ ماؤهُ بعيدًا عن هذا التلوُّثِ؛ فهو داخلٌ في الحديث، وقد أتى بأعظمِ ما يُمكنُ أنْ يَتَقَرَّبَ به عبدٌ إلى الله.

حكى البيهقيُّ في هذا المعنى حكايةً عن الحاكمِ أبي عبد الله رحمهُ الله-، والحاكمُ معروف، قال: إنه قَرِحَ وجهُهُ أي: أصابت القُرَحُ وجهَ أبي عبد الله الحاكم النيسابوريِّ رحمه الله-، وعالجَهُ بأنواعِ المُعالجة؛ فلم يذهب، وبقيَ فيه قريبًا من سَنَة، فسألَ أبا عُثمانَ الصابونيّ أن يدعو له في مجلسِهِ، فدعا له.

وأقبلَ الناسُ على التأمين؛ متضرعين لربِّ العالمين، فلمَّا كان من الجُمُعةِ الأخرى؛ أَلْقَتِ امرأةٌ في المجلسِ رُقعة: بأنها عادت إلى بيتِها أي بعد ذلك الدعاء-، واجتهدت في الدعاءِ للحاكمِ أبي عبد الله تلك الليلة.

فرأَت في منامِها رسولَ الله صلى الله عليه وسلم- كأنه يقول لها: قولي لأبي عبد اللهِ يُوسِعِ الماءَ على المسلمين.

قالت: فجئتُ بالرُّقعةِ إلى الحاكم، فأمرَ  بسِقايةٍ بُنِيَتْ على بابِ دارِهِ، وحين فرغوا من بنائِها؛ أمَرَ بِصَبِّ الماء فيها، وطَرَحَ الجَمْدَ في الماءِ ليُبَرِّدَهُ، وأَخَذَ الناسُ في الشُّربِ، فما مَرَّ عليه أسبوعٌ حتى ظهرَ الشِّفاء، وزالت تلك القُّروح، وعادَ وجهُهُ إلى أحسنِ ما كان، وعاشَ بعد ذلك سنين.

فَسَقيُ الماءِ من أعظمِ ما رُفِعَ به البلاء، فهذا من التحلية؛ إطعامُ الطعام، تفطيرُ الصائم، سَقيُ الماء، إلى غيرِ ذلك من بَذْلِ النَّدى والمعروف؛ تَسُدُّ جَوعَتَهُ، تسترُ عَوْرَتَه، تقضي دَيْنَه، تسقيِه، تُؤْوِيِه، تُعَلِّمُهُ، تُزيلُ جَهالَتَه، إلى غيرِ ذلك من أبوابِ المعروف.

 نسألُ اللهَ ربَّ العالمين أن يجعلها مفتوحةً لنا على مَصَارِعِها، وأنْ يوفقنا للعملِ بما يُرضيه من ذلك، وأن يجعله خالصًا لوجههِ الكريم.

من علاماتِ حُسنِ الخاتمة: أنْ يُقبضَ المسلمُ ليلةَ الجُمُعةِ أو يومَها؛ ففي الثابتِ عن الرسول صلى الله عليه وسلم-: «أنَّ مَن قُبِض أنَّ مَن مات- ليلةَ الجُمُعة أو يومَها؛ وُقِيَ فِتنةَ القبرِ».

فنسألُ اللهَ أن يرحمَ موتانا وموتى المسلمين.

اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.

اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين، اللهم ارحم موتانا وموتى المسلمين.                                                                                                                        

وأَحسِنْ ختامنا أجمعين.

وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آلهِ وأصحابه أجمعين.

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك