تفريغ خطبة تطهير القلب في رمضان

تطهير القلب في رمضان

تطهير القلب في رمضان

((الجمعة 2 من رمضان 1436هـ - الموافق 19/6/2015م))

إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُه، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَلَّا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّم.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فإنَّ توحيدَ المخلوقِ لِرَبِّهِ المعبودِ يَشْمَلُ أَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، هما جِمَاعُ دينِه وإيمانِه واعتقادِه، تُجْمِلُهُمَا الآيةُ العظيمةُ الجامعةُ مِنْ سورةِ الفاتحة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5]، أي: لا نَعْبُدُ إلا أنت، ولا نَسْتَعِينُ إلا بِك.

العبادةُ مِنَ المخلوقِ لخالقِه وحدَهُ لا شريكَ له، والإعانةُ ونَحْوُها مِنَ الخالقِ لِمَنْ يشاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فهاهُنا في هذه الآيةِ العظيمةِ أَمْرَان:

الأمر الأول: إقرارُ العبدِ اعتقادًا وقولًا وعملًا أنَّ اللهَ تعالى واحدٌ في أسمائِه، وأَخَصُّها: اللهُ والرحمنُ، وصفاتِه، وأَخَصُّها: الإحياءُ والإماتةُ، وأفعالِه، وأخصُّها: الخَلْقُ والبَعثُ والجزاءُ الأُخْرَوِيُّ، ومنها: الحُكْمُ، وهو الخالقُ والحَكَمُ وإليه النُّشورُ؛ قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

وقال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

أَثْبَتَ لنفسِه صِفَتَيِ السمعِ والبصرِ، ونَفَى مُمَاثَلَةَ مَخْلُوقَاتِهِ لَهُ سُبْحَانَهُ وَبَحَمْدِهِ.

وقال -جلَّ وعلا- :﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: 40]، وهذا الأمرُ مِن أمورِ الإيمانِ والاعتقادِ والتوحيدِ على عِظَمِهِ- لا يَكْفِي العبدَ للدخولِ في الإسلامِ ولا الثباتِ عليه؛ فقد قال اللهُ -جلَّ وعلا- عنِ المشركين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31].

 أَقَرُّوا اعتقادًا وقولًا، ولم يُقِرُّوا عَمَلًا؛ بل أَقَرَّ بِهِ إبليسُ اعتقادًا وقولًا، فلم يُقَرِّبْهُ مِن رحمةِ الله: ﴿قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [ص: 79].

وقال: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص: 76].

وقال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [ص: 82-83].

فأَقَرَّ هاهنا بالربوبيةِ، وَأَقَرَّ بالخَلْقِ، وأَقَرَّ بالأسماءِ والصفاتِ:

كما في قوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾، ولم يَنْفَعْهُ هذا الإقرارُ في شيءٍ، فهذا هو الأمرُ الأوَّلُ.

وأما الأمرُ الثاني: فهو إقرارُ العبدِ اعتقادًا وقولًا وعملًا أنَّ اللهَ تعالى وحدَهُ هو المُسْتَحِقُّ للعبادةِ، فلا يَرْكَعُ ولا يَسْجُدُ ولا يَنْذِرُ ولا يَذْبَحُ إلا له، ولا يَدْعُو إلا إيَّاه، ولا يَسْتَعِينُ ولا يَسْتَغِيثُ ولا يَحْلِفُ إلا به، ولا يَطْلُبُ المَدَدَ إلا منه، ولا يَطُوفُ إلا بِبَيْتِهِ، ولا يَلْجَأُ إلا إليه، هو الغَنِيُّ سُبحانه، وغيرُهُ مُفْتَقِرٌ إليه؛ ولو كان مَلَكَاً مُقَرَّبًا، أو نبيًّا مُرسَلًا، أو وليًّا ممن شَهِدَ له رسولُ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بالجنَّةِ؛ فليس لهم مِنَ الأمرِ شيءٌ؛ بل الأمرُ كلُّهُ للهِ وحدَهُ.

قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ﴾ [الأنعام: 162-163].

وقال -جلَّ وعلا-: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 106] -أي المشركين-.

كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13]، وهذا الأمرُ هو الحَدُّ الفاصلُ بين الهُدَى والضلالِ، وبَيْنَ الإسلامِ والكُفْرِ، وبين عبادةِ اللهِ وحدَهُ ودعاءِ الأولياءِ معه، وهذا الأمرُ هو سَبَبُ خَلْقِ الإِنْسِ والجِنِّ، وسببُ إرسالِ الرُّسُلِ وإنزالِ الكتبِ.

قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

وهذا الأمرُ هو مَعْنَى «لا إله إلا الله»، أيْ: لا معبودَ بحقٍّ إلا اللهُ، كما قال نوحٌ ومَنْ بعدَه مِنَ الرُّسُلِ -صلواتُ اللهِ وسلامُه عليهم- لأقوامِهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [هود: 84].

ولا يَدْخُلُ المرءُ في دينِ الإسلامِ، ولا يَبْقَى مُسلمًا بعد دُخُولِه إلا إذا أَفْرَدَ اللهَ تعالى بالعبادة.

فلا يَصْرِفُ شيئًا مِنَ الطاعاتِ التي أَمَرَ الله بها أَمْرَ إِيجَابٍ أو أَمْرَ استحبابٍ إلا لله وحدَه لا شريك له، ولا ظَهِيرَ ولا مُعِينَ ولا وَاسِطَةَ ولا شَفَاعَةَ عندَهُ إلا بإذنِهِ للشافع، ورضاهُ بها للمشفوعِ له.

قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾ [الجن: 18].

وقال -جلَّ وعلا-: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ * وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ [سبأ: 22-23].

وقال تعالى: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80].

وهذا هو التوحيدُ الذي أَرْسَلَ اللهُ به جميعَ رسلِه -صلواتُ الله وسلامُهُ عليهم-.

قال اللهُ -جلَّ وعلا- :﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36].

﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

هذا هو التوحيدُ الذي وَقَعَتْ فيه الخصومةُ بين الرُّسُلِ وأُمَمِهِم؛ إذ قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾ [ص: 5]، وهذا التوحيدُ هو أَوَّلُ الواجباتِ، وأَهَمُّ المهماتِ في دينِ اللهِ -جلَّ وعلا-، وهو الذي لا يقبلُ اللهُ من عبادِهِ عملًا صالحًا إلا بعد تَحَقُّقِهِ.

قال اللهُ -جلَّ وعلا- لنبيِّهِ -صلى الله عليه وآله وسلم- قدوةً لأُمته: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ [الزمر: 65-66].

اللهُ -جلَّ وعلا- وحدَهُ هو المتفردُ بالخَلْقِ والرزقِ والتدبيرِ والإحياءِ والإماتةِ والمُلْكِ: قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].

وقال تعالى: ﴿لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ [الحديد: 2].

وهذا التوحيدُ هو المُسَمَّى بتوحيدِ الربوبية، وهو مُسْتَقِرٌّ في نُفُوسِ الخلقِ، لا يكادُ يُنَازِعُ الخالقَ فيه أحدٌ ممن خَلَقَ؛ مُسلمًا كان أو كافرًا؛ كما قال اللهُ -جلَّ وعلا- عن المشركين الكافرين: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ [يونس: 31].

فلم يكنِ المشركون الكافرون يعتقدون أنَّ آلهتَهم تشارك اللهَ في الخَلْقِ أو الرزقِ أو الإحياءِ أو الإماتة أو المُلكِ أو التدبير؛ بل كانوا يعتقدون أنَّ ذلك للهِ وحده، كما وردَ في الآيةِ الكريمةِ مُفَصَّلًا، وإنما اتخذوا آلهتَهم قُرْبَةً ووسيلةً لهم إلى اللهِ تعالى وشُفعاءَ لهم عنده.

قال الله -جلَّ وعلا-: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: 3]، وهذا ما يفعلُهُ اليومَ أكثرُ المسلمين، فضلًا عن غيرِهم، يدعون أولياءَهم، ويستغيثونَ بهم؛ بل يذبحونَ ويَنْذِرون لهم، ويطوفونَ بأضرحتِهم؛ بل يطلبون منهم المَدَدَ بحُجَّةِ التَّقَرُّبِ والاستشفاعِ بهم إلى الله.

وبَيَّنَ اللهُ في الآيةِ الكريمة وفي آياتٍ كثيرة أنَّ إقرارَهم بأنَّ اللهَ وحدَهُ خالقُهم ورازقُهم حُجَّةٌ عليهم في وجوبِ إخلاصِ العبادةِ والدعاءِ للهِ وحدَهُ، وأنَّ مجردَ الإقرارِ بربوبيةِ اللهِ لهم لم يَنفعهم؛ إذ لم يُفْرِدُوهُ تعالى بالعبودية، ولم يُخْلِصُوا العبادةَ له وحدَهُ.

ومِن حقِّ اللهِ على عبادِهِ: أنْ يُثْبِتُوا له تعالى ما أثبتهُ لنفسهِ، وما أثبته له رسولهُ -صلى اللهُ عليه وسلم- مِن أسماءِ اللهِ الحُسنى وصفاتِهِ العُلَى، لا يتجاوزون الآيةَ المُحْكمة والحديثَ الصحيح.

يُثبتونَ اللفظ، ويعلمون المعنى في لسانِ العربِ الذين نزلَ الوحيُ بلسانِهم، ويَنْفُون التكييفَ والتشبيهَ والتعطيلَ وتأويلَ اللفظِ بغيرِ معناه المعلومِ عند العرب.

فهي ثلاثةُ أُسُسٍ شرعيةٍ ثابتةٍ في هذا الباب، مَن لَزِمَها سَلِمَ من الانحراف:

*إثباتُ ما أثبته اللهُ ورسولُهُ؛ قال الله تعالى عن نَفْسِهِ: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ [البقرة: 140]، وقال عن رسولهِ: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3-4].

*وأما الأساسُ الثاني؛ فتنزيهُ اللهِ عن مشابهةِ المخلوقات بعد إثباتِ الأسماءِ والصفات، قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

*وأما الثالث؛ فنَفْيُ قدرةِ الخَلْقِ على إدراكِ كيفيةِ صفاتِ الله، أو مشاركتِهِ في أسمائِهِ؛ قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65]، وقال سُبحانه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: 110].

فمِنْ صفاتِ الله تعالى: الاستواءُ على العرش؛ قال اللهُ تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، نَعْرِفُ من لغةِ العربِ الفُصحى أنَّ الاستواءَ هاهنا: العلوُّ والارتفاع.

أمَّا كيفيةُ الاستواء؛ فيعلمُها اللهُ وحدَهُ، ولم يَنْفَعِ الكافرين اعترافُهم بصفاتِ اللهِ في قولِهم: ﴿خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ﴾ [الزخرف: 9].

فقد أَقَرَّ المشركون بالعزَّةِ والعِلمِ للهِ ربِّ العالمين، كما أقرُّوا بالخَلْقِ، وبالمُلكِ، وبالإحياءِ والإماتةِ للهِ ربِّ العالمين، ولم ينفعهم ذلك في شيء.

قال الإمام ابن القيم -رحمه الله تعالى- في قولِ اللهِ -جلَّ وعلا-: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ﴾ [الأحزاب: 4]:

«قَبُولُ المَحَلِّ لِمَا يُوضَعُ فيه مشروطٌ بتفريغِهِ من ضدِّه، وهذا كما أنه في الذواتِ والأعيان؛ فكذلك هو في الاعتقاداتِ والإرادات، فإذا كان القلبُ ممتلئًا بالباطلِ اعتقادًا ومحبَّةً؛ لم يَبْقَ فيه لاعتقادِ الحقِّ ومحبَّتِهِ موضِعٌ, كما أنَّ اللسانَ إذا اشتغلَ بالتكلُّمِ بما لا ينفع؛ لم يتمكن صاحبُهُ من النُّطقِ بما ينفعُهُ إلا إذا فَرَّغَ لسانَهُ من النُّطقِ بالباطل، وكذلك الجوارح؛ إذا اشتغلت بغيرِ الطاعة؛ لم يُمكن شَغْلُها بالطاعة إلا إذا فَرَّغَهَا من ضِدِّها.

فكذلك القلبُ المشغولُ بمحبَّةِ غيرِ اللهِ وإرادتِهِ, والشَّوقِ إليه والأُنسِ به؛ لا يمكنُ شَغْلُهُ بمحبَّةِ اللهِ وإرادتِهِ وحُبِّهِ والشوق إلى لقائِهِ إلا بتفريغِهِ من تعلُّقِهِ بغيرِهِ.

ولا حركةَ اللسانِ بذِكْرِهِ, والجوارحِ بعبادتِهِ إلا إذا فَرَّغَها من ذِكْرِ غيرِهِ وخدمتِهِ، فإذا امتلأ القلبُ بالشغلِ بالمخلوق والعلوم التي لا تنفع؛ لم يبق فيها موضعٌ للشغلِ بالله، ومعرفةِ أسمائِهِ وصفاتِهِ وأحكامِهِ.

وسِرُّ ذلك: أنَّ إصغاءَ القلبِ كإصغاءِ الأُذنِ, فإذا أَصْغَى إلى غيرِ حديثِ الله؛ لم يَبْقَ فيه إصغاءٌ ولا فَهْمٌ لحديثِهِ, كما إذا مالَ إلى غيرِ محبَّةِ الله؛ لم يبق فيه مَيْلٌ إلى محبَّتِهِ.

فإذا نَطَقَ القلبُ بغيرِ ذِكْرِهِ؛ لم يبق فيه محلٌّ للنُّطقِ بذِكْرِهِ؛ كاللسان.

ولهذا في «الصحيحين» عن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: «لَأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أحدكم قَيْحًا حتى يَرِيَهِ أي: حتى يَأْكُلَ جوفَه ويُفْسِدَهُ-، خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».

فَبَيَّنَ أنَّ الجوفَ يمتلئُ بالشِّعْرِ، فكذلك يمتلئ بالشُّبَهِ والشُّكوكِ والخيالاتِ والتقديرات التي لا وجودَ لها, والعلومِ التي لا تنفع, والمُفاكهاتِ والمُضاحكاتِ والحكاياتِ ونحوِها.

 وإذا امتلأَ القلبُ بذلك؛ جاءته حقائقُ القرآنِ والعِلمِ الذي به كمالُهُ وسعادتُهُ، فلَمْ تَجِدْ فيه فراغًا لها ولا قبولًا, فَتَعَدَّتْهُ وجَاوَزَتْهُ إلى محلٍّ سواه, كما إذا بَذَلْتَ النصيحةَ لقلبٍ ملآنَ مِن ضدِّها لا منفذَ لها فيه؛ فإنه لا يقبلُها, ولا تَلِجُ فيه؛ لكنْ تَمُرُّ مُجْتَازَةً لا مُسْتَوْطِنَةً, ولذلك قيل:

نزِّهْ فؤادَك مِن سِوانــا تَلْقَنَا           فَـجَنَابُنــا حِــلٌّ لـكلِّ مُـنزِّهِ

والصبرُ طِلَّسْمٌ لِكَنْزِ وِصَالِنا          مَنْ حَلَّ ذا الطِّلَّسْمَ فازَ بِكَنْزِهِ

وطالِبُ اللهِ والدارِ الآخرة لا يستقيمُ له سَيْرُهُ وطلبُهُ إلا بحَبْسين:

حَبْسِ قلبِهِ في طلبِهِ ومطلوبِهِ, وحَبْسِه عنْ الالتفاتِ إلى غيره، وحَبْسِ لسانِهِ عمَّا لا يُفيد, وحَبْسِهِ على ذِكْرِ اللهِ وما يزيدُ في إيمانهِ ومعرفتِهِ.

وحَبْسِ جوارحِهِ عن المعاصي والشهوات, وحَبْسِها على الواجباتِ والمندوبات, فلا يُفارِقُ الحَبْسَ حتى يَلْقَى ربَّهُ، فيُخَلِّصُهُ مِن السِّجْنِ إلى أوسعِ فضاءٍ وأَطْيَبِهِ.

ومتى لم يَصْبِرْ على هذين الحَبْسين، وَفَرَّ منهما إلى فضاءِ الشهوات؛ أعقبَهُ ذلك الحَبْسَ الفظيعَ عند خروجِهِ من الدنيا. فكلُّ خارجٍ من الدنيا؛ إما متخلِّصٌ من الحَبْسِ، وإمَّا ذاهبٌ إلى الحَبْسِ.

ولمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنَ الصِّيَامِ حَبْسَ النَّفْسِ عَنْ الشَّهَوَاتِ، وَفِطَامَهَا عَنْ الْمَأْلُوفَاتِ، وَتَعْدِيلَ قُوَّتِهَا الشّهَوَانِيَّةِ؛ لِتَسْتَعِدَّ لِطَلَبِ مَا فِيهِ غَايَةُ سَعَادَتِهَا وَنَعِيمِهَا، وَقَبُولِ مَا تَزْكُو بِهِ مِمَّا فِيهِ حَيَاتُهَا الْأَبَدِيَّةُ، وَيَكْسِرُ الْجُوعُ وَالظَّمَأُ مِنْ حِدِّتِهَا وَسَوْرَتِهَا، وَيُذَكِّرُهَا بِحَالِ الْأَكْبَادِ الْجَائِعَةِ مِنَ الْمَسَاكِينِ، وَيُضَيِّقُ مَجَارِيَ الشّيْطَانِ مِنْ الْعَبْدِ لتَضْيِيقِ مَجَارِي الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيحْبِسُ قُوَى الْأَعْضَاءِ عَنْ اسْتِرْسَالِهَا لِحُكْمِ الطّبِيعَةِ فِيمَا يَضُرُّهَا فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا، وَيُسَكِّنُ كُلَّ عُضْوٍ مِنْهَا وَكُلَّ قُوَّةٍ عَنْ جِمَاحِهِ، وَتُلْجَمُ بِلِجَامِهِ.

فَالصيام هو لِجَامُ الْمُتَّقِينَ، وَجُنَّةُ الْمُحَارِبِينَ، وَرِيَاضَةُ الْأَبْرَارِ الْمُقَرَّبِينَ، وَهُوَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الصَّائِمَ لَا يَفْعَلُ شَيْئًا، وَإِنَّمَا يَتْرُكُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ، فَهُوَ تَرْكُ مَحْبُوبَاتِ النَّفْسِ وَتَلَذُّذَاتِهَا؛ إيثَارًا لِمَحَبَّةِ اللّهِ وَمَرْضَاتِهِ.

وَهُوَ سِرٌّ -أي الصيامُ- بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ سِوَاهُ، وَالْعِبَادُ قَدْ يَطَّلِعُونَ مِنْهُ عَلَى تَرْكِ الْمُفْطِرَاتِ الظّاهِرَةِ، وَأَمَّا كَوْنُهُ تَرَكَ طَعَامَه وَشَرَابَه وَشَهْوَتَه مِنْ أَجْلِ مَعْبُودِهِ؛ فَهُوَ أَمْرٌ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الخلقُ، وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الصّوْمِ.

وللصومِ تأثيرٌ عجيب في حفظِ الجوارحِ الظاهرة والقُوى الباطنة، وحِمْيَتِها عن التخليطِ الجالبِ لها الموادَّ الفاسدة التي إذا استولت عليها أفسدتها، واستفراغِ الموادِّ الرديئةِ المانعةِ لها مِن صِحتِها، فالصومُ يحفظُ على القلبِ والجوارح صِحَّتَها، ويُعيدُ إليها ما اسْتَلَبَتْهُ منها أيدي الشهوات، فهو من أكبرِ العَوْنِ على التقوى.

كما قال اللهُ -جلَّ وعلا-: ﴿يا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183].

وقال النبيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ-: «الصَّوْمُ جُنَّة».

فقد رَوَى البخاريُّ ومسلم من رواية أبي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآلهِ وَسَلَّمَ-:

«قَالَ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ-: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ؛ فَلَا يَرْفُثْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَصْخَبْ، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ؛ فَلْيَقُلْ: إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ؛ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ».

«وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ».

وأمَرَ نبيُّنا -صلى الله عليه وآله وسلم- مَنِ اشتدَّتْ عليه شَهوةُ النكاح، ولا قُدرةَ لَه على النكاح؛ أَمَرَه بالصيام، وجعله وِجَاءَ هذه الشهوة؛ ففي «الصحيحين» من حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهُ -صلى الله عليه وآله وسلم-: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ؛ مَنِ اسْتَطَاعَ منكمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، فمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».

والمراد: أنه يَقْطَعُ شَهْوَةَ الجِماع.

والمقصود: أنَّ مصالحَ الصومِ لمَّا كانت مشهودةً بالعقول السليمةِ والفِطَرِ المستقيمة؛ شَرَعَهُ اللهُ لعباده رحمةً بهم، وإحسانًا إليهم، وحِميةً لهم وجُنَّةً.

وكان هَدْيُ رسولِ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- فيه أكَملَ الهَدْى، وأعظمَ تحصيلٍ للمقصود، وأسهلَه على النفوس، ولمَّا كان فَطْمُ النفوسِ عن مألوفاتِها وشهواتِها مِن أشقِّ الأمور وأصعبها؛ تأخَّر فرضُ الصيامِ إلى وسطِ الإسلامِ بعد الهجرة، لمَّا توطَّنَتِ النفوسُ على التوحيدِ والصلاة، وأَلِفَتْ أوامِرَ القرآنِ، فَنُقِلَتْ إليه بالتدريج.

وكان فَرْضُ الصيامِ في السنة الثانية من الهجرة، فتوفِّى رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- وقد صامَ تِسعَ رمضاناتٍ، وفُرِضَ أولاً على وجه التخيير بينه وبين أن يُطعِم عن كُلِّ يوم مسكينًا، ثم نُقِلَ مِن ذلك التخيير إلى تحتُّم الصومِ، وجُعِل الإطعامُ للشيخِ الكبير والمرأة إذا لم يُطيقا الصيامَ؛ فإنهما يُفطِران، ويُطعِمان عن كُلِّ يوم مسكينًا، ورخَّصَ للمريض والمسافِر أن يُفطرا ويَقضيا.

وكان للصوم رُتَبٌ ثلاث:

إحداها: إيجابُه بوصف التخيير.

والثانية: تحتُّمُهُ؛ لكنْ كان الصائمُ إذا نام قبل أنْ يَطْعَمَ؛ حَرُمَ عليه الطعامُ والشرابُ إلى الليلةِ القابلة، فنُسِخ ذلك بالرتبة الثالثة، وهى التي اسْتَقَرَّ عليها الشرعُ إلى يوم القيامة.

أخرج البخاريُّ عن البراءِ بنِ عازبٍ -رضي الله عنه- قال: كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وآله وسلم- إِذَا كَانَ الرَّجُلُ صَائِمًا، فَحَضَرَ الإِفْطَارُ، فَنَامَ قَبْلَ أَنْ يُفْطِرَ؛ لَمْ يَأْكُلْ لَيْلَتَهُ وَلاَ يَوْمَهُ حَتَّى يُمْسِيَ، وَإِنَّ قَيْسَ بْنَ صِرْمَةَ الأَنْصَارِيَّ كَانَ صَائِمًا، فَلَمَّا حَضَرَ الإِفْطَارُ؛ أَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ لَهَا: أَعِنْدَكِ طَعَامٌ؟

قَالَتْ: لاَ؛ وَلَكِنْ أَنْطَلِقُ فَأَطْلُبُ لَكَ، وَكَانَ يَوْمَهُ يَعْمَلُ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَتُهُ، فَلَمَّا رَأَتْهُ قَالَتْ: خَيْبَةً لَكَ، فَلَمَّا انْتَصَفَ النَّهَارُ غُشِىَ عَلَيْهِ.

فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِىِّ -صلى الله عليه وسلم-، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾، فَفَرِحُوا بِهَا فَرَحًا شَدِيدًا، وَنَزَلَتْ: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الفَجْرِ﴾ [البقرة: 187].

وكان مِن هَدْيِ رسول الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- في شهر رمضان: الإكثارُ من أنواع العبادات، فكان جبريلُ -عليه الصلاة والسلام- يُدارسُهُ القرآن في رمضان.

وكان إذا لقيه جبريل أجودَ بالخيرِ من الريحِ المُرسلة، وكان أجودَ الناس، وأجودَ ما يكونُ في رمضان، كما في «الصحيحين» من رواية ابن عباس.

يُكْثِرُ في رمضانَ مِن الصدقةِ والإحسانِ، وتلاوةِ القرآنِ، والصلاةِ، والذِّكرِ، والاعتكافِ، وكان يَخُصُّ رمضانَ من العبادةِ بما لا يَخُصُّ غيرَه من الشهور؛ حتى إنه كان لَيُوَاصِلُ فيه أحيانًا لِيُوَفِّرَ ساعاتِ لَيلِهِ ونهارِه على العبادة، وكان ينهى أصحابَهُ عن الوصال، فيقولون له: إنَّك تُواصل، فيقول: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم، إنِّي أَبِيتُ -وفى رواية: إنِّي أَظَلُّ- عِنْدَ رَبِّى يُطْعِمُني وَيَسْقِيني». أخرجاه.

وقد اختلف الناسُ في هذا الطعام والشراب المذكورَيْنِ على قولين:

أحدهما: أنه طعامٌ وشراب حِسِّيٌّ للفَمِ، قالوا: وهذه حقيقةُ اللفظ، ولا مُوجِبَ للعدُول عنها.

والثاني: أن المرادَ به: ما يُغذِّيه الله به مِن مَعَارِفِهِ، وما يَفِيضُ على قلبه مِن لذة مناجاته، وقُرَّةِ عينه بقُربه، وتنعُّمِه بحُبِّهِ والشوقِ إليه، وتوابعِ ذلك من الأحوالِ التي هي غذاءُ القلوب، ونعيمُ الأرواح، وقرَّةُ العين، وبهجةُ النفسِ والرُّوحِ والقلبِ بما هو أعظمُ غذاءً وأجودُهُ وأنفعُهُ، وقد يَقْوَى هذا الغذاءُ حتى يُغْنِيَ عن غِذاء الأجسام مدةً من الزمان.

كما قيل:

لَها أحَــادِيثُ مِنْ ذِكْراكَ تَشْغَلُهَا            عَنِ الشَّــرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ

لَها بِوَجْهِكَ نُــورٌ تَسْتَضِيءُ بِــهِ              وَمِنْ حَدِيثِك في أعْقابِهَا حَادِي

إذا شَكَتْ مِن كَلالِ السَّيْرِ أوْعَدَهَا        رَوْحَ القُدومِ فَتَحْيَى عِنْدَ مِيعَادِ

ومَن له أدنى تجربةٍ وشوق؛ يعلمِ استغناءَ الجسمِ بغذاءِ القلبِ والرُّوحِ عن كثيرٍ مِنْ الغِذاءِ الحَيَوَانِيِّ، ولا سيما المسرورَ الفرحانَ الظافرَ بمطلوبه، الذي قد قرَّت عينُه بمحبوبه، وتنعَّم بقربه والرِّضا به، وألطافُ محبوبِه وهَدَايَاهُ وتُحَفُهُ تَصِلُ إليه كُلَّ وقت، ومحبوبُه حَفِيٌّ به، مُعْتَنٍ بأمره، مُكرِمٌ له غايةَ الإكرامِ مع المحبةِ التامةِ له؛ أفليسَ في هذا أعظمُ غِذاءٍ لهذا المُحِبِّ؟!

فكيف بالحبيبِ الذي لا شيءَ أَجَلُّ منه، ولا أعظمُ، ولا أجملُ، ولا أكملُ، ولا أعظمُ إحسانًا إذا امتلأ قلبُ المُحِبِّ بحبُه، ومَلَكَ حبُّه جميعَ أجزاءِ قلبِه وجوارحِه، وتَمَكَّنَ حُبُّه منه أعظمَ تمكُّن، وهذا حالُه مع حبيبه؛ أفليس هذا المُحِبُّ عند حبيبِه يُطعِمُه ويَسْقِيهِ ليلاً ونهاراً؟!

ولهذا قال: «إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُني ويَسْقِيني».

ولو كان ذلك طعامًا وشرابًا للفَمِ؛ لَمَا كان صائمًا؛ فضلًا عن كونِهِ مواصلًا، وأيضًا فلو كان ذلك في الليل؛ لم يكن مُواصِلًا، ولقال لأصحابه إذ قَالُوا له: إنَّك تُواصِلُ: «لَسْتُ أواصلُ».

ولم يقل: «لَسْتُ كَهَيْئَتِكُم»، بل أقرَّهم على نسبة الوصال إليه، وقَطَعَ الإلحاقَ بينَه وبينَهم في ذلك بما بيَّنه من الفارق.

كما في «صحيح مسلم» من حديث عبد الله بن عمر، أن رسولَ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَاصَلَ في رمضانَ، فَوَاصَلَ الناسُ، فنهاهم، فقيل له: أنت تُواصِلُ.

فقال: «إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُم، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى».

وسياق البخاري لهذا الحديث: نهى رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ- عَنِ الوِصَال، فقالوا: إنك تُواصِلُ، قال: «إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُم، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى».

وفى «الصحيحين» من حديث أبى هريرة: نَهَى رسولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الوِصَال، فقال رجل من المسلمين: إنكَ يا رسولَ الله تُواصِل.

فقال رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «وأَيُّكُم مِثْلي؟! إنِّي أَبيتُ يُطْعِمُني رَبِّى وَيَسْقِيني».

وفى «الصحيحين» أن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لما نهاهم عن الوِصَال، فأَبَوْا أنْ يَنْتَهُوا؛ واصلَ بهم يوماً، ثم يوماً، ثم رأوا الهلال، فقال: «لو تَأَخَّرَ الهِلال لزِدْتُّكم»، كالمُنكِّلِ لهم حينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الوِصَال.

وفى لفظٍ آخر: «لو مُدَّ لنا الشَّهْرُ لوَاصَلْنا وِصَالاً يَدَعُ المُتَعَمِّقُون تَعَمُّقَهم، إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، أو قال: إنَّكُم لَسْتُم مِثْلي؛ فإنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُني ربِّى ويَسْقِيني».

وهذا الحديث في مسلم.

فأَخْبَرَ أنه يُطعَم ويُسقَى مع كونه مُواصِلًا، وقد فَعَلَ فِعْلَهُمْ مُنَكِّلًا بهم، مُعَجِّزًا لهم، فلو كان يأكل ويشرب؛ لَمَا كان ذلك تنكيلًا ولا تعجيزًا، بل ولا وِصَالًا، وهذا بحمد الله واضح.

وقد نَهَى رسولُ الله -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عن الوِصَال رحمةً للأُمة، وأَذِن فيه إلى السَّحَر.

وفى «صحيح البخاري» عن أبى سعيد الخدري، أنه سَمِعَ النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يقول: «لا تُواصِلوا، فَأَيُّكُم أراد أنْ يُواصِل؛ فَلْيُوَاصِلْ إلى السَّحَر».

أيُّها المسلم؛ لقد مَنَّ اللهُ -تبارك وتعالى- عليك بإدراك هذا الشهر، فينبغي عليك أنْ تَقِفَ طويلًا مُتأملًا، وأن تخشعَ مَلِيًّا عند هذا الشهر بما يُفِيضُ الله رب العالمين فيه من الرحمات.

تَذَكَّرْ أَصْلَ الخلقِ وسَبَبَ الوجودِ؛ فإنَّ الله -جلَّ وعلا- قال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56].

قال النوويُّ -رحمه الله-:

«وهذا تصريحٌ بأنهم خُلِقوا للعبادة، فحُقَّ عليهم الاعتناءُ بما خُلِقوا له، والإعراضُ عن حُظُوظِ الدُّنْيَا بِالزَّهَادَة؛ فإنَّها دَارُ نَفَادٍ لا مَحَلُّ إِخْلَادٍ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لَا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفِصَامٍ لَا مَوْطِنُ دَوَامٍ.

فَتَفَكَّرْ في عِظَمِ فضلِ اللهِ عليك؛ ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 33].

وأَجَلُّ تلك النِّعَمِ وأَعْظَمُهَا: نعمةُ الإسلام؛ فكم يعيش على هذه الأرض مِنْ أُمَمٍ حُرِمَتْ الشهادةَ؛ شهادةَ ألَّا إلهَ إلا اللهُ، وأنَّ مُحمدًا رسولُ الله؟!

 

 

وهذا فضلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يشاء، ثم احْمَدِ اللهَ -عز وجل- على نعمةِ الهدايةِ والتوفيقِ؛ فكم ممن ينتسبُ إلى الإسلام وهم مخالفون لتعاليمِهِ ظاهرًا وباطنًا مُفَرِّطُون في الواجبات، غارقون في المعاصي والآثام واللذات؟! وأنت تتقلبُ في نِعَمِ الله -عز وجل-، من سَعَةٍ في الرزق، وصحةٍ في البدن؛ فعليك واجبُ الشكرِ بالقول والعمل.

وأعظمُ أنواعِ الشكرِ: طاعةُ اللهِ -عز وجل-، واجتنابُ نَوَاهِيهِ؛ فإنَّ النِّعَمَ تَدُومُ بالشكرِ، كما قال -جلَّ وعلا-: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].

ومن نِعَمِ الله عليك: أنْ مَدَّ في عُمُرِكَ، وجَعَلَكَ تُدْرِكُ هذا الشهرَ العظيمَ؛ فكم غَيَّبَ الموتُ مِنْ صاحبٍ، ووَارَى الثَّرَى مِنْ حَبِيب؟ فإنَّ طُولَ العُمُرِ، والبَقَاءَ على قَيْدِ الحياةِ فرصةٌ للتَّزَوُّدِ مِن الطاعاتِ، والتَّقَرُّبِ إلى اللهِ ربِّ العالمينَ بالعملِ الصالحِ.

فَرَأْسُ مَالِ المُسْلِمِ عُمُرُهُ؛ لذا احرص على أوقاتك وساعاتك؛ حتى لا تَضِيعَ سُدَى، وَتَذَكَّرْ مَنْ صَامَ مَعَنَا العَامَ المَاضِيَ وصَلَّى العِيد!! ثم أين هو الآنَ بَعْدَ أَنْ غَيَّبَهُ الموتُ؟!

واجْعَلْ لَكَ نَصِيبًا مِنْ حَدِيثِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وآله وسلم-: «اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ:  حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وشَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ». أخرجه الحاكمُ، وصححه الألباني.

واحرص أن تكون من خيار الناس كما أخبر بذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فعن أبي بكرة -رضي الله عنه-، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ؟

قَالَ -صلى الله عليه وسلم-: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ».

قَالَ: فَأَيُّ النَّاسِ شَرٌّ؟

قَالَ -صلى الله عليه وآله وسلم-: «مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ».

أخرجه الترمذي، وصححه الألباني.

ويجبُ الإخلاصُ في النيَّة، وصِدْقُ التوجهِ إلى الله -عز وجل-، واحذر وأنت تعمل الطاعاتِ مداخلَ الرياء والسُّمعة؛ فإنها داءٌ خطيرٌ يُحبط العمل.

اُكْتُمْ حسناتك وأَخْفِهَا كما تكتم وتخفي سيئاتك وعيوبك، واجعل لك خبيئةً من عملٍ صالح لا يعلمُ به إلا اللهُ -عز وجل-، من صلاةِ نافلة، أو دمعةٍ في ظُلمةِ الليل، أو صدقةِ سِرٍّ، واعلم أنَّ اللهَ -عز وجل- لا يتقبل إلا من المتقين، فاحرص على التقوى؛ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27].

ولا تكن ممن يَأْبَوْنَ دخولَ الجنةِ، كما ذَكَرَ ذلك الرسولُ -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى».

قَالُوا: وَمَنْ يَأْبَى يَا رَسُولَ اللَّهِ؟

قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». أخرجه البخاري.

وعَوِّدْ نفسَك على ذِكْرِ الله في كل حينٍ وعلى كل حال، ولْيَكُنْ لسانُك رَطْبًا بذِكْرِ اللهِ -عز وجل-، وحَافِظْ على الأدعيةِ المعروفةِ والأَوْرَادِ الشرعيةِ.

قال الله -جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42].

وقال جل وعلا: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 35].

قَالَتْ عَائِشَةُ -رضي الله عنها-: «كَانَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ». رواه مسلم.

 

ورَوَى عن رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قال: «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ».

قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟

قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».

قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ -رحمه الله-:

«وَبِالْجُمْلَةِ؛ فَإنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَعْرَضَ عَنِ اللَّهِ وَاشْتَغَلَ بِالْمَعَاصِي؛ ضَاعَتْ عَلَيْهِ أَيَّامُ حَيَاتِهِ الْحَقِيقِيَّةُ، الَّتِي يَجِدُ غِبَّ إِضَاعَتِهَا يَوْمَ يَقُولُ: ﴿يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي﴾ [سُورَةُ الْفَجْرِ: 24]».

واعلم أنه لن يَعْمَلَ أَحَدٌ لك بعد موتِك، مِن صلاةٍ وصيامٍ وغيرِها؛ فَهُبَّ إلى الإكثارِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ عز وجل، والتَّزَوُّدِ مِن الطاعات والقربات، واحرص على قراءة القرآن الكريم كلَّ يوم، ولو رَتَّبْتَ لنفسك أن تقرأ بعد كل صلاة جزءًا من القرآن؛ لأتممتَ في اليوم الواحد خمسة أجزاء، وهذا فضلٌ مِنَ اللهِ عظيمٌ.

 

والبعض يَظْهَرُ عليه الجِدُّ والحَمَاسَةُ في أوَّلِ الشهر، ثم يَفْتُرُ، وربما يمرُّ عليه اليومُ واليومان بعد ذلك وهو لا يقرأُ من القرآن شيئًا.

 

وقد ورد في فضل القرآن ما تَقَرُّ به النفوس، وتَهْنَأُ به القلوب:

فعن ابْنِ مَسْعُودٍ -رضي الله عنه- قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلْفٌ حَرْفٌ، وَلَامٌ حَرْفٌ، وَمِيمٌ حَرْفٌ». أخرجه الترمذيُّ، وهو حديثٌ صحيح.

وعن أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ؛ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». رواه مسلم.

رمضانُ فرصةٌ مواتيةٌ للدعوةِ إلى الله، فَتَقَرَّبْ إلى اللهِ -عز وجل- في هذا الشهرِ الكريم بدعوةِ أقاربك وجيرانك وأَحِبَّائِك عَبْرَ الكتابِ والنصيحةِ والتوجيه، ولا يَخْلُ لك يومٌ دون أنْ تساهمَ في أمرِ الدعوةِ، فإنَّ الدعوةَ مُهمةُ الرُّسلِ والأنبياءِ والدعاةِ والمصلحين، ولْيكنْ لك سهمٌ في هذا الشهرِ العظيم؛ فإن النفوسَ مُتَعَطِّشَةٌ، والقلوبَ مُتَفَتِّحَةٌ، والأجرَ عظيمٌ.

قال رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «فَوَاللَّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ». أخرجاه.

قال الحسنُ -رحمه الله-: «فمقام الدعوة إلى الله أفضل مقامات العبد».

واحذر مجالسَ الفارغين، واحفظ لسانك مِن الغِيبةِ والنميمةِ وفاحشِ القَول، واحبس لسانك عن كلِّ ما يُغضب الله، وأَلزم نفسك الكلامَ الطيبَ الجميل، وليكن لسانُك رطبًا بذِكرِ الله، وهي فرصة للتزودِ من الطاعةِ والتفرغِ للعبادة، وقد لا تتكررُ الفرصة؛ بل قد تموتُ قبل أنْ تعود الفُرَصُ.

واعلم أنَّ كلَّ يومٍ يعيشُهُ المؤمنُ فهو غنيمة.

 عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رضي الله عنه- قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ -حَيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ- أَسْلَمَا على عهدِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، فقَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ يعني في الرؤيا-، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ،

فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فَقَالَ: «أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ أي بعد الشهيد- رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟!». أخرجه أحمد وابن حبان والبيهقيُّ، وصححه الألبانيُّ في «صحيح الترغيب»، وفي «صحيح الجامع».

مَنْزِلُكَ هو مَنَاطُ تَوْجِيهِكَ الأَوَّلِ؛ فاحْرِصْ أولًا على أَخْذِ نفسِك وتَرْبِيَتِها على الخير، ثم احرص على مَنْ حَوْلَكَ، مِنْ زوجةٍ وأخٍ وأختٍ وأبناءٍ، بتذكيرِهم بعِظَمِ هذا الشهرِ، وحَثِّهِمْ على المحافظةِ على الصلاة، وكثرةِ قراءةِ القرآن، كُن آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكرِ في منزلِك بالقولِ الطيب والكلمةِ الصادقة، وأَتْبِعْ ذلك كُلَّهُ بالدعاءِ لهم بالهداية.

هذا الشهرُ فرصةٌ لمراجعةِ ومناصحةِ المُقَصِّرِينَ والمُفَرِّطِين، فَلَعَلَّ اللهَ -عز وجل- أنَّ يَهْدِيَ مَنْ حَوْلَكَ، فيكونَ لك الأجرُ العظيمُ، كما قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: «مَنْ دَلَّ عَلَى خَيْرٍ فَلَهُ مِثْلُ أَجْرِ فَاعِلِهِ». رواه مسلم.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

﴿الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ﴾

الحمد لله رب العالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، هو يتولى الصالحين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.

مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ الله -تبارك وتعالى-: أنْ فَتَحَ بابَ التوبةِ، وجعله فجرًا تبدأُ معه رحلةُ العودة بقلوبٍ منكسرة، ودموعٍ مُنْسَكِبَةٍ، وجِبَاهٍ خاضِعَةٍ.

قال الله -جل وعلا-: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الحجر: 50].

وقال -جلَّ وعلا-: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: 222].

وقال -جل وعلا- حاثَّاً على التوبة والرجوع والأوبة: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].

وصَحَّ عن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- كما روى ذلك مسلمٌ في «صحيحه» أنه قال: «إِنَّ اللهَ يَبْسُطُ يَدَهُ بِاللَّيْلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، وَيَبْسُطُ يَدَهُ بِالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيْلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا».

وهذا نبيُّ الرحمة، قد غَفَرَ الله له ما تقدم من ذنبِهِ وما تأخر، ومع ذلك فهو يقول: «يا أيها الناس؛ توبوا إلى الله، فإني أتوب إليه فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ». رواه مسلم.

فانظر وتأمل في فضل الله -عز وجل- على التائب العائد، فإنَّ النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ».

أخرجه ابنُ ماجه والبيهقي، وحسنه الألبانيُّ.

ورمضان فرصةٌ عظيمةٌ للتوبة لمن صَدَقَ مع الله -عز وجل-؛ فلا تكن ممن رَغِمَ أنفُهُ، وخَسِرَ هذه الفرصةُ العظيمة.

فعن النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أنه قَالَ: «رَغِمَ أنفُ مَنْ أَدْرَكَهُ رمضانُ فلم يُغْفَرْ له». أخرجه الترمذيُّ والحاكم، وصححه الألباني.

ولا يأخذْك الهوى ومُلْهِيَاتُ النَّفْسِ؛ فإنَّ الرسولَ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: «كُلُّ أُمَّتِي يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ إِلَّا مَنْ أَبَى».

قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَنْ يَأْبَى؟

قَالَ: «مَنْ أَطَاعَنِي دَخَلَ الجَنَّةَ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ أَبَى». أخرجه البخاريُّ.

فهذا الحديث بِشارةٌ لجميعِ المسلمين بالجنة؛ إلا صنفًا منهم لا يريدون دخولها، لا زهدًا فيها؛ ولكنْ جهلًا بالطريقِ المُوصِلةِ إليها، وتراخيًا وتكاسلًا عن دخولها، وتفضيلًا لهذه المُتَعِ الدنيويةِ الزائلةِ على تلك النِّعَمِ الخالدةِ الباقية.

جِدَّ في التوبةِ، وسَارِعْ إليها، فليس للعبدِ مُسْتَرَاحٌ إلا تحتَ شجرةِ طُوبى، ولا لِلْمُحِبِّ قَرَارٌ إلا يومَ المزيد، فسارِعْ إلى التوبة، وهُبَّ مِن الغفلة.

واعلم أنَّ خيرَ أيامك يومُ العودة إلى الله -عز وجل-، فاصْدُقْ في ذلك المسير، ولْيَهْنِكَ حديثُ الرسولِ -صلى الله عليه وآله وسلم-: «لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يَتُوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ بِأَرْضِ فَلَاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ أي راحلتُه-، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ، فَأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتَى شَجَرَةً، فَاضْطَجَعَ فِي ظِلِّهَا، وقَدْ أَيِسَ مِنْ رَاحِلَتِهِ، فَبَيْنَما هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ بِهَا قَائِمَةً عِنْدَهُ، فَأَخَذَ بِخِطَامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ: اللهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّكَ، أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ». رواه مسلم.

قَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ -رحمه الله تعالى-: «مِنْ أَعْظَمِ الِاغْتِرَارِ عِنْدِي: التَّمَادِي في الذنوبِ مع رَجَاءِ الْعَفْوِ مِنْ غَيْرِ نَدَامَةٍ، وَتَوَقُّعُ الْقُرْبِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ طَاعَةٍ، وَانْتِظَارُ زَرْعِ الْجَنَّةِ بِبَذْرِ النَّارِ، وَطَلَبُ دَارِ الْمُطِيعِينَ بِالْمَعَاصِي، وَانْتِظَارُ الْجَزَاءِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، وَالتَّمَنِّي عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَعَ الْإِفْرَاطِ، ومَنْ أَحَبَّ الجنةَ؛ انْقَطَعَ عن الشهواتِ، ومَنْ خَافَ النارَ؛ انْصَرَفَ عنِ السيئاتِ».

قَالَ الْحَسَنُ البصري -رحمه الله-: «إنَّ قَوْمًا أَلْهَتْهُمْ أَمَانِيُّ الْمَغْفِرَةِ، حَتَّى خَرَجُوا مِنْ الدُّنْيَا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أُحْسِنُ الظَّنَّ بِرَبِّي، وكَذَب، لو أَحْسَنَ الظَّنَّ لأَحْسَنَ العَمَلَ».

وقال -رحمه الله-: «إِنَّ الْمُؤْمِنَ قَوَّامٌ عَلَى نَفْسِهِ، يُحَاسِبُ نَفْسَهُ لِلَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ-، وَإِنَّمَا خَفَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ على قومٍ حاسَبُوا أَنْفُسَهُمْ فِي الدُّنْيَا، وَإِنَّمَا شَقَّ الْحِسَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَوْمٍ أَخَذُوا هَذَا الأَمْرَ مِنْ غَيْرِ مُحَاسَبَةٍ.

إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَفْجَؤُهُ الشَّيْءُ يُعْجِبُهُ فَيَقُول: وَالله إِني لأَشْتَهِيكَ، وَإِنَّكَ لَمِنْ حَاجَتِي؛ وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا مِنْ صِلَةٍ إِلَيْكَ، هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ، حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَيَفْرُطُ مِنْهُ الشَّيْءُ، فَيَرْجِعُ إِلَى نَفْسِهِ فَيَقُولُ: مَا أَرَدْتُ إِلَى هَذَا، مَا لِي وَلِهَذَا؟ وَاللَّهِ لَا أَعُودُ لهَذَا أَبَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ.

إِنَّ الْمُؤْمِنِينَ قَوْمٌ أَوْثَقَهُمُ الْقُرْآنُ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ هَلَكَتِهِمْ، إِنَّ الْمُؤْمِنَ أَسِيرٌ فِي الدُّنْيَا، يَسْعَى فِي فِكَاكِ رَقَبَتِهِ، لَا يَأْمَنُ شَيْئًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، يَعْلَمُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ عَلَيْهِ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ.

إنَّ جهادَ النَّفْسِ جهادٌ طويلٌ، وطريقٌ مَحْفُوفٌ بالمَكَارِهِ، مَذَاقُهُ مُرٌّ، ومَلْمَسُهُ خَشِنٌ؛ فعليك بالسَّيْرِ في رِكَابِ التائبين، حتى تَحُطَّ رِحَالَكَ في جنات عَدْنٍ».

 

قَالَ حَاتِمٌ الأَصَمُّ: «مَنْ خَلا قُلْبُهُ مِنْ ذِكْرِ أَرْبَعَةِ أَخْطَارِ؛ فَهُوَ مُغْتَرٌّ لا يَأْمَنُ الشَّقَاءَ:

الأَوَّلُ: خَطَرُ يَوْمِ الْمِيثَاقِ, حِينَ قَالَ: هَؤُلاءِ فِي الْجَنَّةِ وَلا أُبَالِي، وَهَؤُلاءِ فِي النَّارِ وَلا أُبَالِي؛ فلا يَعْلَمُ فِي أَيِّ الْفَرِيقَيْنِ كَانَ؟

الثَّانِي: حِينَ خُلِقَ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاثٍ, فنَادَى الْمَلَكُ بِالشَّقَاوة وَالسَّعَادَةِ, ولا يدري أَمِنَ الأشقياءِ هو أَمْ مِنَ السُّعَدَاءِ؟

الثَّالِثُ: ذِكْرُ هَوْلِ الْمَطْلَعِ, فلا يَدْرِي أَيُبَشَّرُ بِرِضَا اللَّهِ أَمْ بِسَخَطِهِ؟

الرَّابِعُ: يَوْمَ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا، فلا يَدْرِي أَيَّ الطَّرِيقَيْنِ يُسْلَكُ بِهِ؟»

قال الحسنُ: «ابْنَ آدَمَ؛ إنك تَمُوتُ وَحْدَكَ، وَتَدْخُلُ الْقَبْرَ وَحْدَكَ، وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ، وَتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، إنك تموت وحدَك، لن يموتَ أحدٌ عنك، وتَدْخُلُ القبرَ وَحْدَكَ، لن يَدْخُلَ القبرَ أحدٌ عنك، وتُبْعَثُ وحدَك، لن يُبْعَثَ أَحَدٌ يومَ القيامةِ عنك، وتُحَاسَبُ وَحْدَكَ، لن يُحَاسَبَ أَحَدٌ عنك».

فينبغي لكل ذي لُبٍّ وفِطْنَةٍ أنْ يَحْذَرَ عواقبَ المعاصي؛ فإنه ليس بين الآدميِّ وبينَ اللهِ تعالى قَرَابَةٌ ولا رَحِمٌ، وإنما هو قائمٌ بالقسط، حاكمٌ بالعدل، وإنْ كان حِلْمُهُ يَسَعُ الذنوبَ؛ إلا أنه إذا شاءَ عفا، فعفا عن كُلِّ كَثِيفٍ مِنَ الذنوبِ، وإنْ شاءَ أَخَذَ وَأَخَذَ باليسير؛ فالحَذَرَ الحَذَرَ.

 

 

وكُلُّنَا أصحابُ ذنوبٍ وخَطَايا، وليس منَّا مَنْ هو معصومٌ عن الزَّلَلِ والخطأ؛ ولكنَّ خَيْرَنا مَنْ يُسَارِعُ إلى التوبةِ، ويبادرُ إلى العودةِ، تَحُثُّهُ الخُطَى، وتُسْرِعُ به الدَّمْعَةُ، ويُعِينُهُ أهلُ الخيرِ رُفَقَاءُ الدنيا والآخرةِ، فإنَّ مِنْ واجبِ الأُخُوَّةِ في الله: عدمَ تَرْكِ العَاصِي يَسْتَمِرُّ في معصيته؛ بل يُحاطُ بإخوانِهِ، ويُذَكَّرُ ويُنَبَّه، ولا يُهْمَلُ ويُتْرَكُ فيَضِلَّ ويَشْقَى.

أرأيتَ إنْ نَزَلَ به مرضٌ أو شأنٌ من أمورِ الدنيا؛ كيف تقفُ معه؟! وكيف تعينُهُ؟!

فالآخرة أَوْلَى وأَبْقَى.

ولو تَفَقَّدَ كلُّ مسلمٍ أخاه وقريبَهُ وجَارَه؛ لَصَلَحَتِ الحالُ، واسْتَقَامَتِ الأمورُ، خاصةً في هذا الشهرِ العظيمِ، الذي صَفَتْ فيه القلوبُ، واطْمَأَنَّتْ فيه النُّفوسُ، وسارَعَ المسلمونَ فيه إلى فِعْلِ الخيراتِ وتَرْكِ المنكراتِ، فإنها فرصةٌ عظيمةٌ لِنُصْحِ المُذْنِبِ، وتنبيهِ الغافلِ، وتعليمِ الجاهلِ.

والحالُ كما ذَكَرَهَا ابنُ القيِّمِ بقوله:

«رأيتُ الخلقَ كلَّهم في صَفِّ مُحَارَبةٍ، والشياطينُ يَرْمُونَهم بِنَبْلِ الهَوَى، ويضربونهم بأسياف اللذة، فأمّا المُخَلِّطون؛ فصَرْعَى مِنْ أولِ وقتِ اللقاء، وأما المُتقون؛ ففي جَهْدٍ جَهِيدٍ من المجاهدة، فلابد مع طولِ الوقت في المحاربة من جِرَاحٍ، منهم يُجْرَحُون ويُدَاوَوْنَ؛ إلا أنهم من القتلِ محفوظون، بل إن الجِرَاحَةَ في الوجهِ شَيْنٌ باقٍ؛ فَلْيَحْذَرْ ذلك المجاهدون.

بادِرْ إلى التوبة، ودَعْ عنك «لعل» و«سوف»، ولا يغرَّك طول الأمل؛ فإنَّ الموتَ يأتي فجأة، والموت يطلبك في كل لحظة، وينتظرك عند كلِّ عقبة».

 

قال شيخ الإسلام -رحمه الله-:

«الَّذِي يَضُرُّ صَاحِبَهُ: هُوَ مَا لَمْ يَحْصُلْ مِنْهُ تَوْبَةٌ، فَأَمَّا مَا حَصَلَ مِنْهُ -أي من الذنب تَوْبَةٌ؛ فَقَدْ يَكُونُ صَاحِبُهُ بَعْدَ التَّوْبَةِ أَفْضَلَ مِنْهُ قَبْلَ الْخَطِيئَةِ».

فلا تظنَّ أيها المسلمُ الصائمُ أن التوبة في ترك المنكراتِ والمعاصي فحَسْب؛ بلِ احْرِصْ على التوبة مِنْ تَرْكِ النوافلِ، ومن ترك المداومة على الخير، تُبْ عن تفريطك في السُّننِ الرواتب، وتُبْ عن إضاعتك للتراويح والقيام، وتُبْ مِنْ بُخْلِكَ وشُحِّكَ وإمساكك، وما يأتي منك من هذه الأخلاقِ الرذيلة.

تُب إلى اللهِ من غفلتِك، وإضاعةِ وقتك الثمين.

واعلم أن الْمُؤْمِنَ إذَا فَعَلَ سَيِّئَةً؛ فَإِنَّ عُقُوبَتَهَا تَنْدَفِعُ بِعَشَرَةِ أَسْبَابٍ:

الأول: أَنْ يَتُوبَ توبةً نصوحًا ليَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ.

الثاني: أَنْ يَسْتَغْفِرَ الله، فَيُغْفَرَ اللهُ تعالى لَهُ.

الثالث: أَنْ يَعْمَلَ حَسَنَاتٍ تَمْحُوهَا؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].

الرابع: أَنْ يَدْعُوَ لَهُ إخْوَانُهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيشفعونَ لَهُ حَيًّا وَمَيِّتًا.

الخامس: أَنْ يَقضي عنه إخوانُهُ الديونَ والحقوق.

السادس: أَنْ يَشْفَعَ فِيهِ نَبِيُّنا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وآله وَسَلَّمَ-.

السابع: أَنْ يَبْتَلِيَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا بِمَصَائِبَ في نفسه وماله وولده وأقاربه ومن يحبُّهُ ونحوِ ذلك.

الثامن: أَنْ يَبْتَلِيَهِ فِي الْبَرْزَخِ بِالفتنة والضَّغْطَةِ، وهي عَصْرُ القبر، فَيُكَفَّرُ عَنْهُ بِهَا.

التاسع: أَنْ يَبْتَلِيهُ اللهُ فِي عَرَصَاتِ الْقِيَامَةِ مِنْ أَهْوَالِهَا بِمَا يُكَفِّرُ عَنْهُ.

العاشر: أَنْ يَرْحَمَهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ.

فَمَنْ أَخْطَأَتْهُ هَذِهِ الْعَشْرَةُ؛ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ، كَمَا قَالَ الله -جل وعلا- فِي الحديثِ القُدُسِيِّ الذي رواه مسلمٌ في «الصحيح»:

«يَا عِبَادِي؛ إنَّمَا هِيَ أَعْمَالُكُمْ أُحْصِيهَا لَكُمْ، ثُمَّ أُوَفِّيكُمْ إيَّاهَا، فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللَّهَ، وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ».

وشروط التوبة:

الإخلاصُ فيها.

الثاني: الإقلاعُ عن الذنب.

الثالث: النَّدَمُ عَلَى مَا فَاتَ.

الرابع: العَزْمُ على عدم العودة.

الخامس: إرجاع الحقوق إلى أصحابها؛ مِنْ مالٍ وغيره.

السادس: أن تقعَ التوبةُ في وقت قبولها.

حالنا في هذه الدنيا بين مُسَوِّفٍ ومُفَرِّطٍ، حتى يَفْجَأَنَا الموتُ على حينِ غفلة.

فتأمل في حالِ بعضِنا ممن يُؤْثِرُ الظِّلَّ على الشمس، ثم لا يُؤْثِرُ الجنةَ على النار.

تأمل في حالِ بعضِنا؛ بل في حالِنا، فكلُّنا يؤثرُ الظِلَّ على الشمس، ثم لا يُؤثر الجنةَ على النار.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يتوب علينا أجمعين، وأنْ يجعلنا في هذا الشهر من عتقائِهِ من النار، وأنْ يوفقنا فيه لما كلفنا به وندبنا إليه نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم-، وأنْ يجعلَ ذلك على النحو الذي يُرضيه، وأنْ يُحسنَ ختامنا أجمعين.

وصلى الله وسلم على نبيِّنا محمد، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك