تفريغ خطبة مصر وحرب الاستنزاف الإرهابية

مصر وحرب الاستنزاف الإرهابية

تفربغ خطبة مصر وحرب الاستنزاف الإرهابية

خطبة الجمعة 10 من ربيع الثاني 1436هـ الموافق  30-1-2015 م

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ. أَمَّا بَعْدُ:

فإنَّ الأخْوانَ المُسْلِمين وأتْبَاعَهم وأشْيَاعَهم مِنْ شَيَاطِينِ الإنْسِ والجِّن, يَسْعَونَ سَعْيًا حَثِيثًا بِلا كَلَلٍ ولا مَلَلٍ, إلى غَايَةٍ واحدةٍ وهي إسْقَاطُ الدَولَة, وخُطَتُهم في سَعْيِهم إلى تِلْكَ الغَايَةِ تَتَلَخَصُ في كَلِمَتين هُما : الاسْتِنْزَافُ والإنْهَاك; اسْتِنْزَافُ الثَرْوَاتِ, وإنْهَاكُ القُوَات.

لقد بَلَغَت خَسَائِرُ الإعتِدَاءِ على القِطَارَاتِ في الأيامِ القَليلَةِ المَاضِية مائتي مليون جنية، ولوْلَا لُطْفُ اللهِ بإحْبَاطِ مَا أُحْبِطَ مِنْ العَمَلِياتِ قَبْلَ تَنفِيذِهَا, لَبَلَغَت الخَسَائرُ أضْعَافَ أضْعَافِ مَا بَلَغَتْ، وإذا أُضيفَ إلى ذلكَ مَا يَتَكَلَّفُه إصلاح ما دُمِّرَ, وحُرِّقَ, وخُرِّبَ مِنْ مَالٍ ووَقْتٍ, عُلِمَ فَدَاحَةُ الجِنَايَةِ التي يَقْتَرِفُها بَعضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلي الدِينِ على الدِين, وبَعضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلى الوَطَنِ على الوَطَن، هذا سِوَى مَا خَرَّبًوه و دَمَّرُوه و أَحْرَّقُوه مِنْ المُحَولاتِ والأبْرَاجِ الكَهْرَبَائيةِ, والمُوصِّلات العامة, ومَرْكَبَاتِ النَقْلِ, والُمؤسَسَاتِ, والمُنْشَآتِ والطُرُقِ والجُسُور, ومَا يُعْطِيهِ ذلكَ كُلِّهِ مِنْ عدمِ الشُعُورِ بالاسْتِقرَارِ والأمَانْ, لِمَنْ في خَارِجِ البَلَّدِ ومَنْ بدَاخِلهَا, مِمَّا يَصْنَعُ وَسَطًا غير قَابلٍ للإستثمارِ والتَنْمِيَةِ, وبالتالي يُعَدُّ خِصْمًا مِنْ دَخْلِ الخَزَانَةِ العَامَةِ للدَّولَة, ويزدَادُ تَبَعًا لذلك الدَّيْنُ الخَارجِي والدَّيْنُ الدَاخِلي, وهو مِمَّا ينعَكِسُ في نهايةِ الأمْرِ على المصريين, بزيادةِ الأعْبَاءِ و وَفْرَةِ المُعَانَاة, فيُؤدِي ذلكَ إلى تَمَكُنِّ الإحْبَاطِ واحْتِقَارِ المُنْجَزَات.

باختصار الإخْوَانُ المُسلِمُون ومَنْ شَايَعَهُم يُحَارِبُون المِصْرِيين في رَغِيفِ العَيْش. لقد زَعَمَ الإخوانُ وأشْيَاعُهم أنَّهم خَرَجُوا معَ الخَارجِينَ في الخَامِسِ والعِشْرِين, ليُطَالِبُوا جميعًا بالعَيْشِ والحُرِّيَة, والكَرَامَةِ الإنْسَانِية, والعَدَالَةِ الإجتِمَاعِية، وبقَطْعِ النَظَرِ عن مَاسُونِيَةِ الشِعَارَاتِ فإنَّ الإخوانَ الآن يُحَارِبُونَ المِصْرِيين في عَيْشِهِم, ويَبْغُونَ إسْتِعْبَادَهُم, ويَعْتَدُونَ على كَرَامَتِهِم.

إنَّ مِنْ أعْظَمِ الأخْطَاءِ القَاتِلة, أنْ يُنْظَرَ إلى مَا يَصْنَعُهُ هؤلاءِ المُخَرِبُونَ بِعَيْنِ الاسْتِهَانَةِ والاسْتِخْفَافِ, وذلك لأنَّ مَا يَصْنَعُونَهُ تَتَرَاكَمُ آثَارُه, وهم يَهْدِفُونَ إلى ذلكَ ومِنْ المُهِمِّ عندهم أنْ يُحْرَّقَ ويُدَمَّرَ ويُفَجَّرَ ويُخَرَّبَ ولو شيءٌ يَسِيِر, لأنَّه سَيُضَافُ إلى إخْوَةٍ لَهُ وأخَوَاتٍ مِمَّا خَرَّبُوه ودَمَّرُوه وأحْرَقُوه وفَجَّرُوه، وتَرَاكُم الأحداثِ على هذا النَحْوِ تُعطِي على المَدَى البَعِيدِ نتَائجَ كَارِثِية, وهذا بالضَّبْطِ مَا يُريدُونَ الوصُولَ إليه.

إنَّ الإنشغالَ عن العَمَلِ الجَادِ, والتَنْمِيةِ الفَاعلة, وإصْلاحِ الفَاسِدِ, وتَرْمِيمِ الوَاهِي, واستِدْرَاكِ الفَائِت, إنَّ الإنشغالَ عن ذلك كُلِّهِ وغيرهِ بمَا يَقُومُ بهِ صِبْيَّةُ الإخوانِ وغِلْمَانُ التَكفيريين هو في نَفْسِهِ مِنْ أعظَمِ الخِسَارةِ لهذا الوطن.

إنَّ تَحْرِيكَ القُواتِ يُكَلِّفُ في حَدِ ذَاتِهِ أموالًا طَائلَة, ويستهلكُ في الوقتِ عينِه طاقاتٍ غالية, وهذا يؤدي بآثَارِهِ التَرَاكُمِّيَةِ معَ التِكْرَارِ والكَثْرَةِ إلى الإنْهَاكِ والمَلَلِ. وكلُّ مَا مَرَّ مِمَّا يَقْتَرِفُهُ خُوَّانُ المُسلمينَ, وأفْرَاخُ التكفيريينَ ليس شَيْئًا بإزاءِ إزْهَاقِهِم للأرْوَاحِ البَرِيئَةِ, واعتِدَائهِم على الأَنْفُسِ الإنسانيةِ, واستهانَتِهِم بالدِّمَاءِ المَعْصُومَةِ بالإيمَانِ أو بالأمَان.
إنَّ خِدَاعَ خُوانِ المسلمينَ للأغْرَارِ الجَهَلَةِ المُتَحَمِسِين قد بَلَغَ غَايَتَهُ, ومِمَّنْ ضُبِطُوا مُتَوَرِطِينَ في تَفْجِيرِ وإحْرَاقِ القِطَارِ بشبينِ الكُوم عَامِلٌ مِنْ عُمَّالِ البِنَاء.

تُرى ... كيف تَمَّتْ خَدِيعَتَهُ حتى تُسْتَكْمَلَ جَرِيمَتَه؟

تُرى... ماذا قِيلَ لَهُ في الكُهُوفِ المُظْلِمَةِ مِنْ الأكَاذِيب؟ وماذا صُبَّ في أُذُنَيْهِ مِنْ مَعْسُولِ الأمَانِّي؟
لقد تَبَيَّنَ أنَّ كثيرًا مِنْ المُتَوَرِطِينَ في أحداثِ مَيْدَانِ المَطَرِّيَةِ لا يَنْتَمُونَ انْتِمَاءًا تَنْظِيمِيًا لجَمَاعَةِ خُوانِ المُسلِمين، وإنَّمَا دُفِعَتْ لَهُم الأمْوَالَ واسْتُأْجِرت لَهُم الشُقَق، ثم أُمِرُوا أنْ يَعِيثُوا في الأرضِ فَسَادُا فانْطَلَقُوا في أرْجَائِهَا مُخَرِّبينَ ومُفْسِدين .
بالأمسِ بَعْدَ العِشَاءِ بقليلٍ وَقَعَ تَفْجِيرٌ في سيناء، قُتِلَ بسَبَبِهِ خَمْسَةٌ مِنْ الجُنُودِ وجُرِحَ نَحْو الثلاثين، واليوم تَتَرَدَّدُ الأنْبَاءَ بأنَّ القَتْلَى قد قَارَبُوا العشرين ،،، هذه الأَنْفُسُ البَرِيئَةُ بأي ذَنْبٍ قُتِلَتْ؟ وهذه الدِّمَاءُ الذَّكِيَةُ بأي جَرِيرَةٍ سُفِكَتْ؟ وهذه الأَرْوَاحُ الطَاهِرَةُ بأي إثْمٍ أُزْهِقَت؟ وهذه الأَشْلَاءُ المُتَنَاثِرَةُ بأي سبب بُعْثِرَت؟
مَا أعْظَمَ ابْتِلاءَ هذه الأُمَّةِ بخُوَّانِهَا !!! ومَا أكْبَرَ مُصَابَهَا في بعضِ مَنْ يَدَّعُونَ أنَّهم مِنْ أبْنَاءِهَا .

 إنَّ خُطَّةَ الإخْوَانِ ومَنْ شَايَعَهُم مِنْ شَيَاطِينِ الإنْسِ والجِّن مَبْنِيَّةٌ على حرفين هما : اسْتِنْزَافُ الثَرْوَات, وإنْهَاكُ القُوَات. وهم يَبْغُونَ مِنْ وَرَاءِ ذلكَ اسقاطَ الدَّولَة اقتصاديًا وأمنيًا، ويَسْلُكُونَ لتَحْقِيقِ ذلكَ كُلَّ مَا يُتَاحُ لَهُم حتى إرَاقَةِ الدَّمِ الحَرَام, وإزهَاقِ الأَرْوَاحِ المَعْصُومَةِ بالإيمانِ أو بالأمَان. وقد قالَ اللهُ جَلَّ وعَلا (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا) أي: والَّذين يُؤْذُونَ المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِنَاتِ بقولٍ أو فعلٍ مِنْ غيرِ ذَنْبٍ عَمِلُوه, فقد ارْتَكَبُوا أفْحَشَ الكَذِبِ والزُور, وأَتَوّْا ذَنْبًا ظَاهِرَ القُبْحِ مُؤَدِيًا للعَذَابِ في الآخرة, وقد قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم (الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ, فَأَمَّا الَّذِي فِي الْجَنَّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ, وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجَارَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ فِي النَّارِ, وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلٍ فَهُوَ فِي النَّارِ) أخرجه أبو داودَ والترمذيُ وابنُ ماجه, وصَحَحَهُ الألبَانِيُ وغيره .

 قال َشيخُ الإسلامِ رَحِمَهُ الله مُعَلِقًا على هذا الحديث "فإذا كانَ مَنْ يَقْضِي بينَ النَّاسِ في الأمْوَالِ والدِّمَاءِ والأعْرَاضِ, إذا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا عَادِلًا كانَ في النَّارِ,  فكيف بمَنْ يَحْكُمُ في المِلَلِ والأَدْيَانِ، وأُصُولِ الإيمَانِ، والمَعَارِفِ الإلَهِيةِ والمَعَالِمِ الكُلِّيَة بِلَا عِلْمٍ ولا عَدْل؟".

فأمَّا الوَصِيَّةُ: فــ أنْ تَكُفَّ لِسَانَكَ عنْ أهْلِ القِبْلَةِ مَا أمْكَنَكَ مَا دَامُوا قَائلِينَ " لا إله إلَّا الله محمدٌ رسولُ الله" - صلى الله عليه وعلى آله وسلم - غيرَ مُنَاقِضِينَ لهَا.

فإنَّ التَكْفِيرَ فيه خَطَر, وأمَّا السُكُوتُ فلا خَطَرَ فيه, والخَطَأُ في عَدَمِ التَكْفِيرِ أو التَبْدِيعِ أو التَفْسِيقِ أهْوَنُ مِنْ الخَطَأِ في إثباتِ شيءٍ مِنْ ذلكَ ورَمْيِ بَرِئ به.
والَّذي يَنبَغِي أنْ يَمِيلَ المُحَصِّلُ إليه, الإحْتِرَازُ عنْ التَكْفِيرِ مَا وَجَدَ إليه سَبِيلًا, فإنَّ استِبَاحَةَ الدِّمَاءِ والأمْوَالِ مِنْ المُصَلينَ إلى القِبْلَةِ, المُصَرِّحِينَ بقولِ "لا إله إلَّا الله" خَطَأٌ كَبير.
والخَطَأُ في تَرْكِ ألْفِ كَافِرٍ في الحَيَاة, أَهْوَنُ مِنْ الخَطَأِ في سَفْكِ مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ مُسْلِمٍ. الخَطَأُ في تَرْكِ ألْفِ كَافِرٍ في الحَيَاة, أَهْوَنُ مِنْ الخَطَأِ في سَفْكِ مِحْجَمَةٍ مِنْ دَمِ مُسْلِمٍ.

والأصْلُ أنَّ دِمَاءَ المُسلمينَ وأعْرَاضَهَم مُحَرَّمَةٌ مِنْ بَعضِهِم على بَعض, لا تَحِلُ إلَّا بإذْنٍ مِنْ اللهِ ورَسُولِه, فإنَّ النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم لمَّا خَطَبَهُم في حَجَّةِ الوَدَاع قال: (إنَّ دِمَائَكُم وأمْوَالَكُم وأَعْرَاضَكُم وأَبْشَارَكُم عليكُم حَرَام, كَحُرْمَةِ يَومِكُم هذا في شَهْرِكُم هذا في بَلَدِكُم هذا ) متفقٌ عليه.

 وقالَ صلى الله عليه وآله وسلم في الحديثِ الَّذي رَوَاهُ مُسلمٌ في صَحِيحِه: (كُلُّ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرَام, دَمُهُ ومَالُهُ وعِرْضُه).

وعن أبي بَكْرَةَ رضيَ الله عنه قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إذَا إلْتَقَى المُسْلِمَانِ بسَيْفَيْهِمَا فالقَاتِلُ والمَقْتُولُ في النَّارِ, فَقُلْتُ يا رَسُولَ اللهِ هذا القَاتِلْ فمَا بَالُ المَقْتُول؟! قالَ: إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا على قَتْلِ صَاحِبِهِ) متفقٌ عليه.

 وأخْرَجَ البُخَاريُ بسَنَدِهِ عنْ عبدِ اللهِ ابنِ عباسٍ رضيَ اللهُ عنهما قال: قالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُم رِقَابَ بَعْض) وأخْرَجَهُ مَسْلِم عنْ جَرِيرٍ وابنِ عمر رضيَ اللهُ تعالى عنهُم وعنْ الصَحَابَةِ أجمَعين.

فأين خُوَّانُ المسلمين ؟ وأين أفراخُ التكفريين مِنْ كلامِ سيدِ المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم ؟ وبأي حُجَّةٍ لهم عِند الله تَقُوم؟ يريقونَ الدِمَاء !! ويُزهِقونَ الأرواح !! ويُبَعثِرونَ الأشلاء !! ويُدَمِرُونَ ويُفَجِرُونَ ويُخَرِبُونَ !!

قالَ اللهُ جَلَّ وعلا (وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقالَ تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزاؤُهُ جَهَنَّمُ خالِداً فِيها وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذاباً عَظِيماً) .

ولعِظَمِ شَأنِ الدِمَاء, كانَ قَتْلُ نَفْسٍ واحدة كَقَتْلِ أَنْفُس, وإِحْيَاءُ نَفْسٍ واحدةٍ كَإحْيَاءِ أَنْفُس, قالَ اللهُ جَلَّ وعلا (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ)

قالَ مُجَاهِدٌ رَحِمَهُ الله " ومَنْ أحْيَاهَا ولَمْ يَقْتُلْ أحدًا فقد حَيَّ الناسُ مِنْهُ" رواه ابنُ أبي شَيْبَه وابنُ جَرِيرٍ في تفسيره, وبهذا المعنى فَهِمَ الآية عثمانُ ابن عفان رضي الله عنه, فقد آثر أنْ يموتَ وَحْدَهُ يَوْمَ الدار, حين إجتَمَعَ لِقَتْلِهِ الثوار, حَقْنًا لدِمَاءِ المسلمين وإحْيَاءً لهم .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال (دَخَلتُ على عُثمَانَ رضيَ الله عنه يومَ الدَّار, فَقُلْتُ يا أَمِيرَ المؤمنينَ طَابَ الضَرْبُ, جِئتُ أُقَاتِلُ معك, فقَالَ: يا أبا هريرة أيَّسُرُكَ أنْ تقتُلَ الناسَ جميعًا وإيَّاي معهم؟! قال: قولتُ لا, قال: فإنَّكَ والله لإنْ قَتَلتَ رَجُلًا واحدًا لكَأنَّمَا قَتَلْتَ النَّاسَ جميعًا, قال: فرجَعَتُ ولَمْ أُقاتِل) رواه سعيدُ ابنُ منصور, ونُعَيْم ابنُ حمادٍ فى الفتن, وابنُ سعدٍ فى الطبقات, والخطيبُ في الكفايه بإسنادٍ صحيح .

وفي روايةٍ عند نُعَيْم ابنِ حماد عن أبي هريرة رضيَ الله تعالى عنه قال (كُنْتُ مَعَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الدَّارِ، فَقُتِلَ مِنَّا رَجُلٌ، فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، طَابَ الضِّرَابُ، قَتَلُوا مِنَّا إِنْسَانًا، قَالَ: عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَمَا طَرَحْتَ سَيْفَكَ، فَإِنَّمَا تُرَادُ نَفْسِي، فَسَأَقِي الْمُؤْمِنِينَ الْيَوْمَ بِنَفْسِي . قَالَ: فَطَرَحْتُ سَيْفِي، فَمَا أَدْرِي أَيْنَ وَقَعَ) هذا نَفَسٌ مِنْ نَفْسٍ طيبة, جادَ بدَمِهِ لحِفظِ غيره, مع أنَّه أحقُ الناسِ بالنُصرة, والإنتصارُ لعثمانَ ذي النورين رضي الله عنه إنتصارٌ لحَقٍ مُحَقَقْ, مع ذلك فقد آثرَ أنْ يموتَ هوَ ليَحْيَ غيرُه, فكيف عُمِيَ أهلُ التكفيرِ عن هذا ؟!

بلى إنَّه يُبْصِرهُ الراسِخون, ويَعمَى عنهُ المَاسِخون, لأنَّ الله جَلَّ وعَلا يقول (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الألْبَابِ) أم كيف عَمِيَ عنهُ قَبْل رَجُلٌ وهو أسامة ابن لادن؟ زَعَمَ أنَّ لهُ يَدًا على الأفغان, بسببِ ما قَدَّمَ لجِهَادِهِم مِنْ أموال, ثم لَمَّا دارَ الأمرُ بين أنْ يُسجَنَ أو يُقْتَلَ, وبين أنْ يُقتَلَ الشَعبُ الأفغاني, شَحَّتْ نَفسُه بمَا جَادَتْ به نَفْسُ ذي النورين المخلصة, حتى قُتِلَ مِنْ أجلِه أُمَةٌ عظيمةٌ مِنْ هذا الشَعبُ الأفغاني المُسلمُ مِنْ قِبَلِ عَدُوٍ غاشِم يُفْرِحُهُ عِنَادُ مطلوبِه ليَصِلَ إلى مَرغُوبِه .

أيُعْقَلُ أنْ يُفْدَى رَجُلٌ بشَعب؟! ثم يُنْسَبُ هذا المُفَدَّى إلى الغَيْرَةِ على الإسلامِ والمسلمين, وهو النَفَسُ التكفيريُ الغالي في أفراخِ التكفريين مع أشياعِهم مِنْ الأخوانِ المسلمين .

إنَّ عثمانَ رضيَ الله عنه خَلِيفَةٌ حقًا, وراشِدٌ بكلِ معاني الرُشْدِ صِدقًا, ومُتزوجٌ مِنْ بَيتِ النُبوةِ مَرتين, ومَنْ أهلِ الجنةِ بلا مَيْن, ومَظلومٌ بإجْمَاعِ أهلِ السُنَّة, والخارجونَ عليه كلابُ النارِ بلا رَيْب, على الرغمِ مِنْ ذلك لَمْ تَطِبْ نَفسُهُ أنْ تُفْدَى بغيرِ دَمِهِ رضيَ اللهُ عن هذه النَفْسُ الطيبةِ المُخلصة, وكيف خَفِيَ هذا على أصحابِ الحَركَة؟ وعلى أصحابِ التكفيرِ الَّذين يرونَ ضرورةَ حَرقِ جيلٍ مسلمٍ مِنْ أجْلِ الدفاعِ عن قومٍ لا عزاءَ فيهم أصلًا, بل هم كَما قيل

فإنْ تُصِبْكَ مِنْ الأيامِ جَائحَةٌ ** لا نَبْكِي مِنكَ على دُنيا ولا دِين

ومِنْ الأصولِ التي كانَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَحرِصُ على تقرِيرها, ما رواه مسلمٌ وابنُ ماجه عن أبي هريرة رضيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: ( كلُ المُسْلِمِ على المُسْلِمِ حَرام, دَمُه ومَالُه وعِرضُه) وكان رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَجْتَهِدُ في ذلك بقَطعِ أسبَابِه, وحَسْمِ مَادَتِه مِنْ أَولِها .

فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (المَلائكَةُ تَلعَنُ أحَدَكُم إذا أشَارَ إلى أخِيهِ بحَدِيدَة, وإنْ كانَ أخَاهُ لأبيهِ وأمِه) اخرجه مسلم .

وعن أبي بَكْرَةَ رضيَ الله عنه أنَّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إذا أشَارَ الرَجُلُ إلى أخِيهِ بالسِلاحِ فَهُمَا على جُرُفِ جَهنم, فإذا قَتَلَهُ وقَعَا فيه جميعًا) أخرجه مسلمٌ وأبو داوودَ الطياليسي واللفظُ له والنسائيُ وابنُ ماجه , ومعنى جُرُف : شِقُ الوادي أي طَرَفُه .

وعن أبي هريرة رضيَ الله عنه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (لا يُشِيرُ أحدُكم إلى أخِيهِ بالسِلاح, فإنَّه لا يدري أحدُكم لعَلَّ الشيطانَ أنْ يَنزِعَ في يده فيَقَعُ في حفرةٍ مِنْ النَّار) أخرجاه في الصحيحين, وأبْلَغُ مِنه في حَسْمِ مَادتِه, ما أخرجُه أحمد وأبو داوود وغيرهما بإسنادٍ صححهُ الألبانيُ في غايةِ المرام, عن عبد الرحمنِ ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنَّهم كانوا يَسِيرُونَ مع رسولِ الله صلى الله عليه وسلم في مَسِير, فنامَ رَجُلٌ منهم, فانْطَلقَ بعضُهم إلى نَبْلٍ معه – أي مع النائمِ – فأخذَها, فلمَّا استيقظَ الرَجُلُ فَزِعَ, فضَحِكَ القَومُ, فقال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ما يُضحِكُكُم؟ فقالوا لا, إلَّا أنَّا أخذنَا نَبْلَ هذا ففَزِع, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لَا يَحِلُ لمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِعَ مُسْلِمًا) لَا يَحِلُ لمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِعَ مُسْلِمًا, أنْ يُخِيفَه, أنْ يُفَزِّعَه, لَا يَحِلُ لمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِعَ مُسْلِمًا .

قال المُنَاويُ رحِمَه الله في الفَيض " لَا يَحِلُ لمُسْلِمٍ أنْ يُرَوِعَ مُسْلِمًا وإنْ كانَ هَازِلًا, كإشَارةٍ بسيف أو حديدةٍ أو أفعى, أو أخْذِ مَتَاعِه فيَفزَعُ لفقدِه, لِمَا فيه مِنْ إدخالِ الأذَى والضَرَرِ عليه, والمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ المُسلمونَ مِنْ لِسَانِه ويَدِه " ومِنْ أخلاقِ المُؤمِنْ, أنَّه إنْ قَتَلَ قَتَلَ بحَقْ, وفي رفقٍ وإحسان .

فعن ابنِ مسعودٍ رضيَ الله عنه عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال: (أعَّفُ النَّاسِ قِتلَةً أهلُ الإيمَان) أعَّفُ النَّاسِ قِتلَةً أهلُ الإيمان, رواه أحمد وأبو داوود وابن ماجه وهو حديثٌ حسن .

قال المُنَاويُ في الفيض " أيْ هُم أرحَمُ النَّاسِ بخلقِ الله جَلَّ وعَلا, وأشَدُهم تحَرِيًا عن التَمْثِيلِ, والتَشْوِيهِ بالمَقْتولِ, وإطالَةِ تعذِيبه, إجلالًا لخَالِقهِم وامْتِثَالًا لِمَا صَدَرَ عن صَدْرِ النُبُوةِ مِنْ قولِه (إذا قَتَلتُم فأحْسِنُوا القِتْلَة, وإذا ذَبَحْتُم فاحْسِنُوا الذِبْحَة) بخِلافِ أهلِ الكُفْرِ, وبَعضِ أهلِ الفسوق مِمَنْ لَمْ تَذُقْ قُلوبُهم حلاوةَ الإيمان, واكتفَوا مِنْ مُسَمَاهُ بلَقْلَقَةِ اللِسَان, وأُشَرِبُوا القَسْوَة حتى أُبْعِدُوا عن الرحمن, وأَبْعَدُ القلوبِ مِنْ الله القلبُ القاسي, ومَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَمْ " .

عن عُقبة ابنِ عامرٍ رضيَ الله عنه, عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مَنْ لَقِيَ اللهَ لا يُشْرِكُ بهِ شيئًا, لَمْ يَتَنَدَّى بدَمٍ حَرام, دَخَلَ الجَنَّة) أخرجه أحمد وابن ماجه وهو حديث صحيح .

قال السيوطي " لَمْ يَتَنَدَّى: أي لَمْ يُصِبْ مِنهُ شيئًا, أو لَمْ يَنَلْهُ مِنْهُ شيء, كأنَّه نَالَ نَدَاوَةَ الدَمِ "

قالَ أبُو بَكْرِ ابنُ العربي رحمه الله تعالى " ثَبَتَ النَهْيُ عنْ قَتْلِ البَهِيمَةِ بغيرِ حَقْ, والوَعِيدُ في ذلك " ثَبتَ النَهْيُ عن قَتْلِ البَهيمةِ بغيرِ حَقْ, وثبتَ الوَعِيدُ في ذلك, فكيف بقَتْلِ الآدَمِي؟! فكيف بالمُسْلِمْ؟! فكيف بالتَقِيْ الصَالِح؟!!

عن جُنْدِبْ ابنِ عبد الله رضيَ الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مَنْ استطاعَ منكم أنْ لا يَحُولَ بينَه وبين الجَنَّةِ وهو يرى بَابَها, مِلْءُ كَفٍ مِنْ دَمِ إمرِئُ مُسْلِمْ يقول لا إله إلا الله,  يُهْرِيقَهُ بغيرِ حِلِّه كأنَّمَا يذبحُ به دَجَاجة, كُلَّمَا تَعَرضَ لِبَابٍ مِنْ أبوابِ الجَنَّة, حَالَ بينَه وبينَه المَقْتُولُ يُنَازِعُ قَاتِلَهُ إلى ربِ العالمين) رواه عبدُ الرَّزاق وابنُ أبي عاصمٍ في الدِيَات, والطبرانيُ في الأوسط والكبير, والبيهقيُ في الشُعب وهو حديثٌ صحيح .

وعند بعضِ هؤلاءِ بلفظٍ عن الحسنِ البصريِ قال: جلستُ إلى جُنْدِبٍ في إمارةِ مُصعب, فقال إنَّ هؤلاء القوم قد ولغوا في دِمَائهم, وتحَاَلفُوا على الدنيا, ثم قال: تعلمونَ أني سَمِعْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم يَقُول: فذكرَه .

قالَ ابنُ حَجَرٍ عَقِبَهُ في الفتح " وهو وَعِيدٌ شَدِيدٌ لقَتْلِ المُسْلمِ بغيرِ حَقْ " فبَانَ أنَّ هذه الأحاديثَ كانت تَحجُزهم عن مُشَاركةِ الناسِ فيمَا يُزعَمُ أنَّه إصْلاحٌ للولَاه, ولو تَدَبَرَهَا هؤلاءِ الوَالِغُونَ في دِمَاءِ النَّاسِ باسمِ الجِهَاد, باسمِ الجِهَادِ لإقامَةِ دَولَةِ الإسلام لمَا تَجَرَّؤا على ذلك, إذْ أولئكَ أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم, وهُم أَوْلَى النَّاسِ بإمَارةِ النَّاس, مع ذلك فَقَدْ كانَ مِنْ وَرَعِهم ما رأيتَهم, ومِنْهُ ما صَحَّ مِنْ روايةِ الإمامِ أحمد والطبرانيِ والبيهقيِ عن أبي عِمرَان الجَونِي قال: (قُلْتُ لجُنْدُبْ ابنِ عبدِ الله إني بَايَعتُ ابنَ الزُبَيْرِ على أنْ أقَاتِلَ أهلَ الشامِ, قال: لعَلَّكَ تقولُ أفْتَانِي جُنْدُبٌ وأقْتَدِي, قال: قُلْتُ ما أُرِيدُ ذلكَ ولكنِّي أسْتَفْتِيكَ لِتُفْتِيَنِي- وفي روايةٍ إنَّهم يريدونَ أنْ أخرُجَ معهم إلى الشَام- فقالَ: أمْسِكْ عليك, فقُلْتُ إنَّهم يَأْبَونَ, قالَ: إفتَدِي بمَالِكْ, قلتُ لا يُقْبَلُ مِني, قالَ جُنْدُبٌ: كنتُ على عَهْدِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم غُلَامًا حَزَوَّرًا – والحَزَوَّرُ: هو الَّذي قَارَبَ البِلُوغ – وإنَّ فُلانًا أخبرَنِي أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (يَجِئُ المَقْتُولُ يَومَ القِيامَةِ بقَاتلِهِ مُتَعَلِقٌ به, فَيَقُولُ: يا رَبْ, سَلْهُ فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَيَقُولُ اللهُ جَلَّ وعَلا: فيمَ قَتَلتُم هذا؟ فَيَقُولُ في مُلْكِ فُلان) قال جُنْدُبٌ فاتَّقِ لا تكونُ ذلك الرَجُل .

انظُر إلى وَرَعِهم, انظُر إلى إتقائهم الدِمَاء, على الرَغمِ مِنْ أنَّ ابنَ الزبيرِ رضيَ الله تعالى عنه هو الَّذي بُويِّعَ له قبل خَصْمِه, وهو صَحَابِي بل هوَ ابنُ حَوَارِي النبي صلى الله عليه وآله وسلم, وهوَ ابنُ الزبيرِ ابنِ عَمَّةِ رسول الله صلى الله عليه وسلم .

ثم انظُر إلى استدلالِ جُنْدبٍ رضيَ الله عنه بهذا الحَدِيثِ الخَاصِ بالقِتَالِ مِنْ أجلِ مُلْكِ الغير, على قِتَالِ ابنِ الزبيرِ رضيَ الله تعالى عنهُمَا, ولمْ يَقُلْ أحدٌ مِنْهُم, إنَّ هذا خِذلانٌ لأهْلِ الحَقْ السَاعِينَ لإقامَةِ الدولةِ الإسلامية, وإنَّمَا شَأنُ الدِمَاءِ عظيم .

فإنَّ الَّذين نازعوا ابنَ الزبير وقد بُويِّعَ لَهُ قَبْلُ, أولئك كانَ مِنْ شأنِهم لمَّا خَافُوا على مَنْ كانَ معهم مِنْ أهلِ الشامِ, ومَنْ وراءَ الشام, كان مِنْ شَأنِهم أنَّهم كُلَمَا جاءَ المَوْسِمُ اثناءَ الصِراع, يصْرِفُونَ الناس عن مَكّةَ البَلدِ الحَرام إلى بيتِ المقدس , فيذهبونَ إلى بيتِ المقدسِ في مُوسِمِ الحَجْ, ولا يذهبونَ إلى بيتِ الله الحَرَامْ, لأنَّهم كانوا يَخشَونَ عليهم أنْ يُقِيمَ عليهم حُجَّتَهُ بلسَانِهِ ابنُ الزبيرِ رضيَ الله تعالى عنهما, وابنُ الزبير كانَ أحَقَّ بالخِلافَةِ وكانَ أهلًا لها, ومع ذلك فتأمَلْ في استدلالِ الصحابةِ بهذا الحديث الَّذي هو في الصراعِ على المُلْك فيمَ وقَعَ مِنْ الصراعِ مع ابنِ الزبيرِ رضيَ الله عنهما لِتَعْلَمَ حقيقة الأمر .

تأمَّلْ توظِيفَهم لهذا الحديثِ وما سبقَ مِنْ الأحاديثِ في هذا المَقَام, مع أنَّ جِهادَهم رضيَ الله عنهم هو أصدقُ جِهاد, ومع أنَّ دولتَهم هي أنظفُ دولة, وأمَّا حديثُنا نحن عنْ الجِهاد, لتحقيقِ دولةِ الإسلامِ اليوم فـــــ إِنْ نَظُنُّ إِلاَّ ظَنًّا وَما نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ .

عن أوسِ ابنِ أوسٍ الثَقَفِّي رضيَ الله عنه قال: (أتَيْتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم في وَفْدِ ثَقِيف، فكُنَّا في قُبَّة، فقامَ مَنْ كانَ فيها غيرِي و غَيرَ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاءَ رَجُلٌ فسَارَّه، فقال: اذهب فاقتُله، ثم قال: أليسَ يَشهَدُ أنَّ لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى! و لكنَّه يقُولُهَا تعوذًا، قال: فَرَدَّه، ثم قال: أُمِرْتُ أنْ أُقاتِلَ النَاسَ حتى يَقولوا لا إله إلَّا الله، فإذا قالُوها حَرُمَتْ عليَّ دِمَاؤُهم و أمْوالُهم إلَّا بحَقِها) رواه أحمد و النسائيُ وابنُ ماجه، بإسنادٍ صحيح .

عنْ عُبَيدِ الله ابنِ عَدِّي الله ابنِ الخِيار أنَّ رَجُلًا مِنْ الأنصارِ حَدَّثَه: (أتى رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو في مَجْلِس، فسَارَّه يستأذِنُه في قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ المنافقين، فجَهَرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ألَيْسَ يَشْهَدُ أنْ لا إله إلَّا الله؟ قال: بلى يا رسولَ الله! و لا شَهَادَةَ لَه، قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ألَيْسَ يَشْهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله؟ قال: بلى يا رسولَ الله! و لا شَهَادَةَ لَه، قال: ألَيْسَ يُصَلِّي؟ قال: بلى يا رسولَ الله! و لا صَلَاةَ له، فقالَ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم أولئك الَّذين نَهَانِي الله عنهم) أخرجه أحمد بإسنادٍ صحيح.

قال ابن عبدِ البَرِّ في "التمهيد": "وفي قولِ رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم (أولئك الَّذين نَهَانِي الله عنهم) رَدٌ لقَولِ صَاحِبهِ القائِلِ لَه: (بلى! و لا صَلَاةَ لَه، بلى! و لا شَهَادَةَ لَه)؛ لأنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قد أثبتَ لَهُ الشَهَادَة, وأثبتَ لَهُ الصَلَاة، ثم أخبَرَ أنَّ الله قد نَهَاهُ عن قَتْلِهم، يعني عنْ قَتْلِ مَنْ أقَرَّ ظاهرًا، و صَلَّى ظاهرًا".

وكانَ ذلك الرَجُل مَعلُومَ النِفاق, والنِفاقُ في ذلك العَهْد إذا أُطلِقَ أُريدَ به الأكبرُ الَّذي هو مُخْرِجٌ مِنْ المِلَّة, الَّذي هو نَقِيدُ الإيمان, ولكنْ إكتفى النبيُ بظَاهِرهم, فأثبتَ لَهُ شَهَادة وأثبتَ لَهُ صَلاة, بإزاءِ مَنْ قال مِنْ أصْحَابِه مُرْنِي فلأقتلُه يا رسولَ الله, فإنَّهُ يقولُ لا إله إلَّا الله يَشهَدُ ولا شَهَادة, ويقولُ أشهَدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله ولا شَهَادة, ويُصَلِّي ولا صَلاة فقالَ: أولئكَ الَّذين نَهَانِي اللهُ عن قَتْلِهم صلى الله وسلم وباركَ عليه .

مَا أفدَحَ الجَهْل ومَا أقْبَحَه ، ومَا أعْظَمَ سُوءَ أثرِه على مَنْ تَلَّبَسَ بِه.

إنَّ النبيَ صلى الله عليه وآله وسلم ـ كمَا في حديثِ أبي داود الذي هو حديثٌ صحيح, (لمَّا أرْسَلَ السَرِّية, فأصَابَ رَجُلًا منهم حَجَرْ فَشَجَّهُ, ثم نامَ فاحْتَلَمَ, فلمَّا استيقظَ قالَ : بِي مَا عَلِمْتُم- يعني مِنْ الشَجَّة، وهي الجُرْحُ في الرأسِ والوَجْهِ خَاصَة - بِي مَا عَلِمْتُم وقد أصابتني جَنَابَة, فهل تَرَونَ لي أنْ أتَيَمَّمَ ؟ قالوا : لا والمَاءُ حَاضِر.

فاغتسلَ فمَات ، فلمَّا رَجَعُوا إلى رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم أخْبَرُوه فقالَ : قَتَلُوه قَتَلَّهم الله ، هَلَّا سَألوا إذْ لَمْ يَعْلَمُوا ؟ فإنَّمَا شِفَاءُ العِيِّ السُؤال) .

نزَّلَ المُفتِيَّ الجَاهِلَ مَنْزِلةَ المُبَاشِرِ, الَّذي قَتَلَ قَتْلًا حَقِيقِيًا, قال : قَتَلُوه. بفَتْواهُم الخَاطِئة ، بقَولِهم بلا عِلْم .

فكيف بأولئكَ الَّذين يَتَحَركُونَ على الكَرَّاسِيِّ الدَّوَارةِ في الإستُديُوهَاتِ المُكَيَّفَةِ ، يُحَرِّكونَ البَيَادِقَ,,, البَيَادِقَ في أرضِ الكِنَانَة ؟ فَجِرُوا ، خَرِبُوا .... مِنْ أجلِ المُلْكِ, مِنْ أجلِ المُلْكِ بلا ريبٍ ولا شَكٍ ، لأنَّه إذا كانَ الصحابَة رضيَ الله تبارك وتعالى عنهم نَظَرُوا إلى مَا وَقَعَ بينَ عبدِ الله ابنِ الزبيرِ, ومَنْ كانَ يُنَازِعُه مِنْ بني أُمِيَّة على أنَّه صِرَاعٌ على المُلْك, كمَا في صحيحِ الأدبِ المُفْرَد, لمَّا جَاءَ رَجُلٌ إلى رَجُلٍ كانَ قد وَقَفَ فَرَسًا وأعْتَادًا للحربِ على الجِهَادِ في سبيلِ الله ، فجَاءَ بعضُ الَّذين يَخرُجونَ مع ابنِ الزبير ، فقالَ : ادفَعْ لي الفَرَس, وادفَعْ لي عُدَّةَ القِتَالِ التي وقفَ أبوكَ على الجِهَادِ في سبيلِ الله.

قال : لا أدفَعُهَا إليك حتى أسْتَفْتِيَّ ابنَ عمر، فذهب إلى ابنِ عمر ، فقال : لا تَدفَعَهَا إليه إنَّمَا وقَفَهَا أبوكَ على الجِهَادِ في سبيلِ الله, وهؤلاء يُقاتِلُونَ على المُلْك ...

يالله مَا أرخَصَ الدِمَاء ،،، ما أرخَصَ الأروَاح ,,, يالله مَا أهوَنَ الوطنَ على أهْلِه

يالله .. تَحَقَقَتْ فيهم مَقُولَةُ الخَارجِي الأكبَر سيد قطب مِنْ قَبْرِه : ما الوطنُ إلَّا حَفْنَةٍ مِنْ تُرابٍ نَجِسْ ،، فهانَ عليهم وطنُهم الإسلامي يُدَمِرُونَه ، يُخَرِبُونَه ، يَسْعَونَّ إلى إحداثِ الفَوضَى فيه, مِنْ أجلِ أنْ يَكونَ نَهبًا لأعداءِ الله ، مِنْ أجلِ أنْ يكونَ نَهبًا لأعداءِ الإسلام, مِنْ أجلِ أنْ تُستَبَاحَ الأعراض, وتُسْتَلَبَ الثروات, مِنْ أجلِ أنْ تُزهَقَ الأرواح، مِنْ أجلِ أنْ يَعُمَّ الخَرابُ والدَمَارُ والفَوضَى.

عَامَلَهُم اللهُ تعالى بعَدْلِه ... وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آله وأصحابه أجمعين .

الخطبة الثانية

الحمدُ لله رب العالمين، وأشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وحدهُ لا شريكَ لهُ هو يتولى الصالحين، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدهُ ورسولُه صلى الله عليه وعلى آله وسلَّمَ صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يومِ الدين، أما بعدُ:

فلقد أكدَّ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم في خُطبَتِهِ في حَجَّةِ الوداع, حُرمَةَ دِمَاءِ المسلمين, وحُرمَةَ أموالِهم وأعراضِهم, أكدَ ذلك بتشبيهِه بحُرمَةِ الزمانِ والمكان, كما في روايةِ أبي بَكْرَةَ رضيَ الله عنه (أنَّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم خَطبَهم يومَ النَحْر فقال: أتدرونَ أيَّ يومٍ هذا ؟  قال: قُلنا اللهُ ورسُولُه أعلم !!

فسكتَ حتى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِيهِ سوى اسمِه قال: أليسَ بيومِ النَحْر ؟ قُلنا : بلى .

قال: أيُ شهرٍ هذا ؟ قلنا: اللهُ ورسولُه أعلم !!

فسكتَ حتى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِيهِ سوى اسمِه فقالَ: أليسَ بــ ذي الحِجَّة ؟ قُلنا : بلى .

قال : أيُ بلدٍ هذا ؟ قُلنا: اللهُ ورسولُه أعلم !!

فسكتَ حتى ظَنَنَّا أنَّه سَيُسَمِيهِ سوى اسمِه قال: أليسَت بالبَلْدَةِ الحرام ؟ قُلنا: بلى .

قال: فإنَّ دِمَاءَكم وأموالَكم وأعراضَكم حرامٌ عليكم, كحُرمَةِ يومِكُم هذا في شَهرِكُم هذا في بَلدِكُم هذا، إلى يومِ تَلْقَونَ ربُكم ... ألَا هل بلغت ؟ قالوا: نعم

قال: اللَّهُم أشهد, فليُبلغُ الشَاهِدُ الغَائب، فــ رُبَّ مُبَلَّغٍ أوْعَى مِنْ سَاِمع, فلا ترجعوا بَعدِي كُفارًا, يَضرِبُ بعضُكم رِقَابَ بعض) هذا الحديثُ في الصحيحين .

والنبيُ صلى الله عليه وآله وسلم جَعَلَ قَتْلَ النَفْسِ التي حَرَّمِ الله قَتْلَهَا إلَّا بالحَقْ مِنْ المُوبِقَات, وقال صلى الله عليه وآله وسلم (إجتنبوا السَبعَ المُوبِقَات, قالوا: يا رسولَ الله ما هُنَّ؟ قال: الشِركُ بالله, والسِحر, وقَتْلُ النَّفسِ التى حَرَّمَ الله إلَّا بالحَق, وأَكلُ الرِبَا, وأكلُ مالِ اليتيم, والتَّولي يومَ الزَحْف, وقَذْفُ المُحصَناتِ الغَافِلاتِ المُؤمِنات) متفقٌ عليه .

و عن ابنِ عمرَ رضيَ الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لنْ يَزَالَ المُؤمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمَاً حَرَامًا) أخرجه البُخَارِي وأحمد, لنْ يَزَالَ المُؤمِنُ في فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمَاً حَرَامًا, قالَ ابنُ عمر رضيَ الله عنهما وهو راوي الحديث (إنَّ مِنْ وَرْطَاتِ الأُمور التي لا مَخْرَجَ لمَنْ أوقَعَ نَفْسَهُ فيها, سَفْكَ الدَّمِ الحَرَامِ بغيرِ حِلِّه) فمَنْ تَوَرَطَ في شيءٍ مِنْ ذلك فقد أَمْكَنَ مِنْ نَفْسِه .

النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (أبْغَضُ النَّاسِ إلى اللهِ ثلاثَة, مُلْحِدٌ في الحَرَمْ, ومُبْتَغٍ في الإسلامِ سُنَّةَ الجَاهِليه, ومُطَّلِبُ دَمِ أمرئٍ بغيرِ حقٍ ليُهْرِيقَ دَمَه) الحديثُ أخرَجهُ البُخَاريُ في صحيحه, فهؤلاء أبْغَضُ النَّاسِ إلى اللهِ رَبِّ العالمين, مِنهُم مُطَّلِبُ دَمِ أمرئٍ بغيرِ حقٍ ليُهْرِيقَ دَمَه.

وقد بَيَّنَّ النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم حالَ أولئكَ كأنَّمَا يَصِفُهم صلى الله عليه وآله وسلم رَأيَّ العَين, يقولُ صلى الله عليه وآله وسلم ( ومَنْ خَرَجَ على أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وفَاجِرهَا, ولا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤمِنهَا, ولا يَفِيِ لِذي عَهْدٍ عَهْدَه, فلَيْسَ مِني ولَسْتُ مِنْه) رواه مسلم .

( ومَنْ خَرَجَ على أُمَّتِي يَضْرِبُ بَرَّهَا وفَاجِرهَا, ولا يَتَحَاشَى مِنْ مُؤمِنهَا, ولا يَفِيِ لِذي عَهْدٍ عَهْدَه, فلَيْسَ مِني ولَسْتُ مِنْه) رواه مسلمٌ في صحيحه . وهذا مُنْطَبِق, مُنْطبقٌ تَمَامَ الإنْطِباقْ على أولئكَ الَّذين يُفَجِّرونَ, ويَقْتُلونَ, ويُدَمِّرُون, هؤلاء لا يَتَحَاشَى الواحدُ منهم مِنْ مُؤمِن, هؤلاء يَضرِبونَ البَرَّ والفَاجِر, هؤلاء يُصِيبُونَ المُؤمِنَّ والكَافِر, هؤلاء لا هَمَّ لهم إلَّا أنْ يَلَغُوا في الدِمَاءِ الذَكِيَّةِ الطَاهِرة, هؤلاء كالوحُوش, بل إنَّ الوحُوشَ أكْرَمُ مِنْ هؤلاء, لأنَّ الوَحْشَ لا يَقْتُل إلَّا ليَأكُل, فَقَتْلُه لإفْتِرَاسِه, فأَكْلُه ليَسُدَّ جَوعَتَه, فإذا شَبِعَّ لا يَعْتَدِي, وأمَّا هؤلاء فقَانُونُهم ليسَ بقانونِ الغَاب, فقانونُ الغَابِ لهُ نِظَام, وهؤلاء لا نِظَامَ لهُم, هؤلاء يَقُولُونَ نَقْتُل بحَقْ, مَا الحَق؟! يقولونَ كُفَّارٌ مُرتَدُّون, مًا الحُجَّة؟! لاشيء , هو هكذا كُفَّارٌ مُرتَدُّون .

كانَ الوَاحِدُ مِنْ هؤلاء قَدِيمًا في فِتْنَةِ السَبعِينَيات, وبِدَايَةِ الثَمَانِينِيَات إذا لَمْ يُعْجِبُه قَولُك قال: تَسْكُتْ .. وإلَّا كَفَّرتُك !! اسْكُتْ .. وإلَّا كَفَّرْتُك ! فهذا مَبْذُول, هذا بِلا ثَمَنْ, هذا رَخِيص, التَكْفِيرُ بَابُ التَفْجِير, التَكْفِيرُ بَابُ القَتْلِ, بَابُ التَدْمِير,

إنَّهم يُكَفِرونَ أولًا, فَيَسْتَحِلونَّ الدِمَاءَ ثانيًا, بَلْ يَسْتَحِلُونَّ الأعْرَاضَ والأمْوَالَ, بَلْ يُشِيعُونَّ الخَرَابَ والفَوضَى في الدِيَار, عَامَلهم اللهُ تعالى بعَدْلِهِ .

قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ( لَوْ أنَّ أهْلَ السَمَواتِ والأَرضِ, اجْتَمَعُوا على قَتْلِ مُسلمٍ, لَكَبَهُم اللهُ جَمِيعًا على وجُوهِهِم في النَّار) أخرَجَهُ الطبرانيُ في الكَبير وفي الأَوسَط, والبَيْهَقِيُ في الشُعَبْ, وصحَحَهُ الألبَانِيُ في صَحِيحِ الجَامِعِ وغيره , (لَوْ أنَّ أهْلَ السَمَواتِ والأَرضِ, اجْتَمَعُوا على قَتْلِ مُسلمٍ, لَكَبَهُم اللهُ جَمِيعًا على وجُوهِهِم في النَّار) , لو أنَّكَ تَأمَّلْتَ لوَجَدتَ ما في أطْوَاِءِ هذا الحديث مِنْ البَلاغَةِ المُتَفَّجِرة, التي تَبِينُ بذَاتِها بغيرِ نَظَرٍ ولا إعْمَالِ فِكْرٍ, لأنَّ أهْلَ السَمَواتِ قد بَرَّأهُم اللهُ تباركَ وتعالى مِنْ قَتْلِ المُسلِمين, هؤلاء يُطِيعُونَّ الحَقَّ, ولا يَضُرونَّ ولا يُؤذُونَ الذَّر, هؤلاء يَفْعَلُون الخَير, ولا يُؤذُونَ الذَّر, ومع ذلكَ ذَكَرَهُم رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم, ليَدُلَّكَ على أنَّهُ لو كانَ ذلكَ كذلكَ لَكَبَهُم اللهُ في النَّار, مع أنَّ اللهَ تباركَ وتعالى عَصَمَهُم مِنْ هذا وأمْثَالِه, فمَا لأهْلِ السَمَواتِ وقَتْلِ المُسلمين؟ والإعتِدَاء على الدِمَاءِ المَعصُومِة؟! (لَوْ أنَّ أهْلَ السَمَواتِ والأَرضِ, اجْتَمَعُوا على قَتْلِ مُسلمٍ, لَكَبَهُم اللهُ جَمِيعًا على وجُوهِهِم في النَّار).

(كلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ, إلَّا الرَجُلُ يَمُوتُ مُشْرِكًا, أو يَقْتُلَ المُؤمِنَ مُتَعَمِدًا) أخرَجَهُ أحمد والنسائيُ مِنْ حديثِ مُعَاويةَ رضيَ الله عنه, وأبو داوودَ مِنْ حديثِ أبي الدرداء رضيَ الله عنه, وصحَحَهُما في صحيحِ الجامع .

(كلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللهُ أنْ يَغْفِرَهُ, إلَّا الرَجُلُ يَمُوتُ مُشْرِكًا, أو يَقْتُلَ المُؤمِنَ مُتَعَمِدًا) ...

النبيُ صلى الله عليه وآله وسلم أخْبَرَنَا أنَّ هذا مِنْ صَنِيعِ إبْلِيسَ, فقالَ صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أصْبَحَ إبْلِيس بَثَّ جُنُودَه, فيقولُ مَنْ أخْذَلَ اليَومَّ مُسْلِمًا ألْبَسْتُهُ التَاج, قالَ: فَيَجِئُ هذا فيَقولُ لَمْ أَزَلْ بِهِ حتى طَلَّقَ إمرَأتَه, فيقولُ أَوْشَكَ أنْ يَتَزَوج, ويَجِئُ هذا فيقولُ لَمْ أَزَلْ بهِ حتى عَاقَّ وَالِدَيْهِ, فيقولُ يُوشِكُ أنْ يَبَرَّهُمَا, ويَجِئُ هذا فيقولُ لَمْ أَزَلْ بهِ حتى أَشْرَك, فيقولُ أنتَ أنتَ- ولكنْ لا يُلْبِسُهُ التَاج, فيقولُ أنتَ أنتَ – ويَجِئُ هذا فيقولُ لَمْ أَزَلْ بهِ حتى قَتَلَ, فيقولُ أنتَ أنتَ ويُلْبِسُهُ التَاج) أخرَجَهُ الحَاكِم وابنُ حِبَّانَ وصحَحَهُ الألبَانِيُ في الصحيحه .

ويَجِئُ هذا فيقولُ لَمْ أَزَلْ بهِ حتى قَتَلَ, فيقولُ أنتَ أنتَ ويُلْبِسُهُ التَاج, التَوَرُطُ في الدَّمِ الحَرَام أقْبَحُ مَا يكون, و مِنْ أعْظَمِ مَا يكونُ إثْمًا و وِزْرًا عندَ اللهِ رَبِّ العالمين .

أخْبَرَنَا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم (أنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ عُنُقٌ يَتَكَلَمْ, يقولُ وُكِلْتُ اليَومَ بثلاثَة, بكُلِّ جَبَارٍ عَنِيد, ومَنْ جَعَلَ معَ اللهِ إلهًا أخَر, ومَنْ قَتَلَ نَفْسًا بغيرِ حَقٍ فَنْطَوى عليهم – أيْ ذلكَ العُنُقُ مِنْ النَّار- فَنْطَوى عليهم فقَذَفَهُم في غَمَرَاتِ جَهَنَّم) رواهُ أحمد والطبرانيُ في الأوسط, وصَحَحَهُ الألبَانِيُ وغيرُه .

وتَأمَلْ في كلامِ رسولِ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم بعدَ نَظَرِك في كلامِ رَبِكَّ تباركَ وتعالى, وتَأمَلْ فيمَا يَصنَعُ أولئكَ الضَالونَ, تَأمَلْ فيمَا يَصنَعُونَهُ باسمِ الإسلامِ العظيم, والإسلامُ مما يَصنَعُونَ بَرَآء, فإنَّ الإسلامَ لَمْ يَأتِي بهذا قَطْ, ورسولُ اللهِ صلى الله عليه وآله وسلم حَدَّ الحُدُود, و وَضَعَ القَواعِد, وأَصَّلَ الأُصُول, بالوَحْيِ المَعْصُوم, فمَنْ تَعَدَّى و جَارَ و ظَلَمَ ففي النَّارِ وبِئسَ القَرَار, نَسألُ اللهَ السَلامَةَ والعَافِية .

إنَّ الإعتِدَاءَ على المُمتَلَكَاتِ العَامة, و الأموالِ الخَاصَة, و اسْتِبَاحَةِ الأَنْفُسِ المَعْصُومَة, و قَتْلِ النِفُوسِ البَرِيئَة, إنَّ التَفْجِيرَ والتَدْمِيرَ,,, هذا كُلُّهُ عَمَلٌ إجْرَامِي, يَتَضَمَنُ أنْوَاعًا مِنْ المُحَرَّمَاتِ في الإسلامِ بالضرورةِ, مِنْ غَدْرٍ و خِيَانَة, و تَسَفُلٍ و خِسَّة, و بَغْيٍ و عُدْاوَن, و إجْرَامٍ آثِم, و تَرْويعٍ للمُسْلِمينَ وغيرِهم, وكُلُ هذه قَبَائحُ مُنْكَرَةٌ يَأْبَاهَا و يُبْغِضُهَا الله, و يَأْبَاهَا و يُبْغِضُهَا رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم, و يَأْبَاهَا و يُبْغِضُهَا المُؤمِنون, فالإسلامُ بَرِيءٌ مِنْ هذا العَمَلِ و مِثْلِهِ, وهكذا كلُ مُسْلِمٍ يُؤمِنُ باللهِ واليَومِ الأخِر, هوَ بَرِيءٌ مِنْه, وإنَّمَا هيَ تصَرُفَاتٌ مِنْ أصْحَابِ فِكْرٍ مُنْحَرِف, وعَقِيدَةٍ ضَالَّةٍ فَاسِدَة, يَحْمِلُونَ آثَامَهُم,,, يَحْمِلُونَ جُرْمَهُم,,, وعليهم أنْ يَتُوبُوا إلى رُشْدِهِم, وأنْ يَرْجِعُوا إلى رَبِهِم, وأنْ يَعْتَصِمُوا بالكِتَابِ والسُنَّة, وأنْ يَتَمَسَكُوا بحَبْلِ اللهِ المَتِين, واللهُ جَلَّ وعَلا يَتُوبُ على مَنْ تَابَ, وأمَّا مَا يَصْنَعُونَهُ فهوَ مَحْضُ إجْرَامٍ وإفْسَاد, تَأْبَاهُ الشَرِيعَة, و تَأْبَاهُ الفِطْرَة, و يَأْبَاهُ العَقْلُ السَلِيم .

أيُها المِصرِيون,,, إنَّ الأمْرَ جِدٌ لا هَزْلَ فيه, ولقد دَخَلْتُم في مَرْحَلَةٍ جَديدة, مَرْحَلَةُ العَشْوَائيةِ في التَفْجِيرِ والتَدْمِيرِ والقَتْلِ والتَرْويِع, المُجْتَمَعُ كُلُه صَارَ مُرْتَدًا عندَ أولئكَ التَكْفِيريينَ مِنْ الإخوانِ وأشْيَاعِهُم, وكلُّ مُرْتَد هوَ حَلالُ الدَّمِ عندَ المُجَاهِدينَ الأَشَاوس, حَلالُ العِرضِ عند أولئك, حَلالُ المَالِ عند أولئكَ, وتَطْهِيرُ الأرضِ مِنْ المُرْتَدِين مِنْ أكبرِ الأغْرَاضِ عند أولئكَ الزَائغِينَ الضَالين, وكمَا مَرَّ هؤلاء يَستَهْدِفُونَ الجُنُودَ المَصرِيينَ, وإنْ كَانُوا نَاطِقِينَ بالشَهَادَتينِ, مُصَلِّينَ, قَائمِينَ للَّيلِ, حَامِلينَ لكِتَابِ اللهِ جَلَّ وعَلا, قَائمِينَ بالوَاجِبَاتِ الشَرْعِيَةِ, مُقْبِلِّينَ على النَّوافِلِ السُنِّيَةِ, مُتَمَسِّكِينَ بحَبْلِ اللهِ المَتِين, لأنَّهم عندَهم مِنْ المُرْتَدِينَ قَولًا واحدًا, فَدَمُهُم بإهْدَارِهِ مُقَدَّمٌ على الصِرَاعِ مَعَ اليَهُود, لأنَّ اليَهُودَ عندَ أولئكَ الفَاسِقينَ الضَالينَ المُجِرمينَ أهْلُ كِتَاب, وأمَّا هؤلاء ؟ فهؤلاءِ مُرْتَدُونَ, وحَرْبُ المُرْتَدِينَ مُقَدَّمَةٌ على حَرْبِ أهْلِ الكِتَاب .

فَتَأمَلْ فى هذا الضَلالِ المُبِين, وأعْلَمُوا أنَّ الَّذين يُحَارِبُونَكُم اليَومَ كالأشْبَاح, هؤلاءِ مِنْ الهُوَاه, لأنَّ التَكْفِيرَ يَسْتَشْرِي في المُجْتَمَعِ كالنَّارِ في الهَشِيم, كَالسِكِينِ في قِطْعَةِ الزُبْدِ, و وَسَائِلُ المَعْلُومَاتِيةِ الحَدِيثَةِ صَارَتْ مُتِيحَةً لكُلِ ذِي زَيْغٍ في قَلْبِه, وضَلالٍ في عَقْلِهِ و نَفْسِه, صَارَتْ مُتِيحَةً لهُ أُصُولَ التَكْفِيرِ و قَوَاعِدَهُ على طَريقَةِ التَكْفِيريينَ الزَائغِين, والشَبَابُ شُعْبَةٌ مِنْ الجُنُون, فمَا أكْثَرَ الَّذين يَنْحَرِفُون؟! فأين أنتم مِنْ هذا يَا مَنْ تَتَمَسَّكُونَ بمِنْهَاجِ النُبُوَة؟ وأين الَّذين يُرَاقِبُونَ ذلكَ أنَاءَ اللَيلِ وأطْرَافَ النَّهَار, لأنَّهُ مِنْ التَفْرِيطِ المَعِيبِ أنْ يُتْرَكَ الصَغِيرُ حتى يَكْبُرَ, وأنْ يُتْرَكَ الكَبِيرُ حتى يَهْرَمَ, وأنْ يُتْرَكَ الضَعِيفُ حتى يَقْوَى و يَشْتَدَّ, وحيئذ يَتَّسِعُ الخَرْقُ على الرَاقِعْ .

سَلَّمَ اللهُ الكِنَانَةَ وجَمِيعَ بُلْدَانِ المُسْلِمين, وحَفِظَهَا وحَمَاهَا مِنْ كُلِّ سُوءٍ ومَكْرُوهٍ, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله و أصحابه أجمعين .

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك