تفريغ خطبة جناية التكفيريين على الدين

جناية التكفيريين على الدين

((تفريغ خطبة: جنايةُ التكفيريين على الدين))

خطبة الجمعة 18 من ربيع الأول 1436هـ الموافق  9-1-2015

 إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّه مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ؛ أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّـهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّـهُ عَلَيْهِ وعَلَى آلِهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَة، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَة، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فقد قالَ الشيخُ عبد الله ابنُ عبدِ الرحمن أبو بطين -رحمَهُ الله-؛ وقد ذَكَرَ المُتسرعينَ في التكفير: ((ومِنْ العجبِ, أنَّ أحدَ هؤلاءِ لو سُئلَ عن مسألةٍ في الطهارةِ أو البيعِ أو نحوهِما, لمْ يُفتِي بمجردِ فَهمِه واستِحسَانِ عقلِه, بل يبحثُ عن كلامِ العلماء, ويُفتيِ بمَا قالوه, فكيف يعتمدُ في هذا الأمرِ العظيمِ  الَّذي هو أعظمُ أمورِ الدين وأشدُها خطرًا على مجردِ فهمِه واستِحسَانِه؟))

وقالَ الشيخُ سُليمانُ ابنُ سَحْمَان -رحمهُ الله-: ((والعجبُ كلُ العجبِ مِنْ هؤلاءِ الجُهَال, الَّذين يتكلمونَ في مسائلِ التكفير, وهُم ما بلَغوا في العِلمِ والمعرفةِ مِعشَارَ ما بلَغَهُ مَنْ أشارَ إليهِم الشيخُ عبد اللهِ ابنُ عبد الرحمنِ في جوابه, مِنْ أنَّ أحدَهم لو سُئلَ عن مسألةٍ في الطهارةِ أو البَيعِ أو نحوهِما, لمْ يُفتيِ بمجردِ فَهمِه واستِحسَانِ عقلِه, بل يبحثُ عن كلامِ العلماء ويُفتيِ بمَا قالوه, فكيف يعتمدُ في هذا الأمرِ العظيمِ  الَّذي هو أعظمُ أمورِ الدين وأشدُّها خطرًا على مجردِ فهمِه واستِحسَانِ عقلهِ؟))

إنَّ التسرعَ في الحُكمِ بالتكفيرِ مِنْ غيرِ إمعانِ نظر, وإعـمالٍ للقواعدِ الشرعيةِ وتمَلُكٍ للأدواتِ العِلمية؛ يدعو إليه الجهلُ ورقةُ الدينِ, والحماقةُ والاندفاعُ والطيش, وأمَّا أهلُ العلمِ والرسوخ: فهم أشدُ الناسِ توقيًا في هذا الباب, وأعظمُهم فيه تثبُّتًا, مع ما آتاهم اللهُ -تباركَ وتعالى- مِنْ موفورِ الفطنةِ ورسوخِ العلمِ وقَدَمِ الصدقِ في القيامِ بالحق.

قالَ شيخُ الإسلامِ -رحمهُ الله-: ((كنتُ أقولُ للجَهْمِيةِ مِنْ الحُلولِيَةِ والنُّفاة -الَّذين نَفَوا أنَّ اللهَ سبحانهُ وتعالى فوقَ العرش-, كنتُ أقولُ لهم لمَّا وقعَت محنتَهم: أنا لو وافقتُكم كنتُ كافرًا, لأنْي أعلمُ أنَّ قولَكم كُفر, وأنتم عِندي لا تكفرونَ لأنَّكم جُهَّال -وكانَ هذا خطابًا لعُلمَائهم وقُضاتِهم وشُيوخِهم وأُمرائهم-)).

وقالَ شيخُ الإسلامِ -رحمه الله-: ((هذا مع أنني دائمًا ومَنْ جالسني يعلمُ ذلك مِنِّي، أنْي مِنْ أعظمُ الناسِ نهيًا عن أنْ يُنسبَ مُعينٌ إلى تكفيرٍ وتفسيقٍ ومعصية، إلَّا إذا عُلِمَ أنَّه قد قامت عليه الحُجَّة الرسالية، التي مَنْ خالفَها كانَ كافرًا تارة وفاسقًا أخرى وعاصيًا أخرى, وإني أُقرر أنَّ الله قد غَفرَ لهذه الأُمةِ خطأها، وذلك يَعُمُّ الخطأَ في المسائلِ الخبريةِ القولية والمسائلِ العَملية)).

وقال الشيخُ عبد الله ابن محمد ابن عبد الوهاب -رحمهما الله تعالى-: ((وبالجُملة فيجبُ على مَنْ نصحَ نفسه ألَّا يتكلمَ في هذه المسألةِ إلَّا بعلمٍ وبرهانٍ مِنْ الله، وليحذر مِنْ إخراجِ رجلٍ مِنْ الإسلامِ بمجردِ فهمهِ واستحسَانِ عقلهِ، فإنَّ إخراجَ رجلٍ مِنْ الإسلامِ أو إدخاله مِنْ أعظمِ أمور الدين، وقد استزلَّ الشيطانُ أكثرَ الناسِ في هذه المسألة)).

واشتدَّ نكيرُ ابن الوزير على مَنْ يسارعُ في تكفيرِ المبتدعةِ مِنْ المسـلمين, وذكرَ ثلاثةَ عشرَ وجهًا للتوقُّفِ في تكفيرِ مَنْ فَحَشَت بدعَتهُ منهم.

فكانَ مما قالَه ابنُ الوزيرِ -رحمهُ الله-:

الوجُه الأول: خوفُ الخطأِ العظيمِ في ذلك، فقد صحَ عن رسولِ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- تعظيمُ ذلك -وذكرَ أحاديثَ الترهيبِ مِنْ التكفيرِ, وذكرَ غيرها- ثم قال :وفي مجموعِ ذلك ما يشهدُ لصحةِ التغليظِ في تكفيرِ المؤمنِ, وإخراجِه مِنْ الإسلامِ مع شهادتِه بالتوحيدِ والنبوات، وخاصةً مع قيامِه بأركانِ الإسلام، وتجنُّبِهِ للكبائر، وظهورِ أمَاراتِ صدقِه في تصديقِه؛ لأجلِ غَلَطِهِ في بدعة، لعَلَّ المُكَفِّرَ له لا يَسْلَمُ مِنْ مِثلِها أو قريبٍ منها، ثُمَّ مِنْ العِبَرِ الكِبارِ في ذلك: أنَّ الجمهورَ لَمْ يُكفِّروا مَنْ كَفَّرَ المسلمَ متأولًا في تكفيرهِ غيرَ متعَمِد، مع أنَّ هذه الأحاديثَ الكثيرةَ تقتضي ذلك، والنصوصُ أصحُّ طرُقِ التكفير، فإذا تَوَرَّعَ الجمهورُ مِنْ تكفيرِ مَنْ اقتضَت النصوصُ كُفْرَه، فكيف لا يكونُ الوَرَعُ أشدَّ مِنْ تكفيرِ مَنْ لَمْ يَرِدْ في تكفيرِه نصٌ واحد؟

فاعْتَبِر تَوَرُّعَ الجمهورِ هُنا، وتعَلَّمْ الوَرَعَ منهم في ذلك .

ثم ذَكرَ وجوهًا حتى وصلَ إلى الوجهِ التاسع؛ فقالَ -رحمهٌ الله-: إنَّ الوَقفَ عن التكفيرِ عندَ التعارُضِ والاشتباه أولَى وأحوَط، وذلك أنَّ الخطأ في الوَقفِ على تقدِيره تقصيرٌ في حقٍ مِنْ حقوقِ الغنيِ الحميدِ العفوِ الواسعِ، أسمَحِ الغُرَماء، وأرحَمِ الرُحَماء، وأحْكَمِ الحُكَماءِ -سبحانه وتعالى.- والخطأُ في التكفيرِ على تقدِيره أعظمُ الجناياتِ على عبادِه المسلمينَ المؤمنين، فقد أخَلَّ بحقِّ المخلوقِ المسلم، بل تعَدَّى عليه، وظَلمَهُ أكبرَ الظُلْمِ وأفحَشَه، فأخرجَهُ مِنْ الإسلامِ وهو يشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وأنَّ محمدًا رسولُ الله، وأنَّ جميعَ رُسُلِه وكُتبِه ومَا جاءَ فيها عن اللهِ -عزَّ وجلَّ- حقٌ لا شكَّ فيه، ولا ريبَ في شيءٍ منه على الجُملة، وإنَّما أخطأ في بعضِ التفاصيل، وقد صَرَّحَ بالتأويلِ فيما أخطأ فيه، فإنْ وَصَفَ اللهَ بوَصْفِ نقصٍ فلاعتقاده أنَّهُ وَصْفُ كمال، وإنْ نَسَبَ إليه قبيحًا فلاعتقادِه أنَّهُ حسن، وإنْ تعمَدَّ القبيحَ في ذلك، فمَحَلُ التَعَمُّد هو القلبُ المحجوبُ عَنَّا سرائرُه، والحَاكِمُ فيه عَلاَّمُ الغُيُوب.
وقد عُوقِبَت الخوارجُ أشدَّ العقوبة، وذُمَّت أقبحَ الذَّمِ على تكفيرِهم لعُصاةِ المسلمين مع تعظِيمِهم في ذلك لمعاصي الله، وتعظِيمِهم لله تعالى- بتكفيرِ عاصيه، فلا يأمَنُ المُكَفِّرُ أنْ يقعَ في مثلِ ذنبِ الخوارج، وهذا خطرٌ في الدِّين جليل، فينبغي شدةُ الاحترازِ فيه مِنْ كلِ حليمٍ نبيل؛ ولأجلِ هذا عُذِرَ المتوقفُ في التكفير، وكانَ هذا هو الصحيحَ عند المحققين؛ بل كما قامت عليه الدلائلُ والبراهين.
الوجه العاشر: أنَّ أميرَ المؤمنينَ عليُ ابن أبي طالبٍ -رضي الله عنه- لَمْ يُكَفِّر أهلَ ((الجَمَلِ وصِفيِّن))، ولَمْ يَسِرْ فيهم السيرةَ في الكافرين، مع صحةِ قولِ الرسول -صلى الله عليه وسلم- : )(لا يُحِبُكَ إلَّا مؤمِن، ولا يُبغِضُكَ إلَّا مُنافق))؛ بل سَارَ فيهم السيرةَ في البغاةِ على إمامِ الحق، ولَمْ يَسِرْ فيهم السيرةَ في أهلِ الكُفر .

ولهذا قالَ الإمامُ أبو حنيفة: ))إنَّه لولا سيرتُه في ذلك -يعني عليًّا رضي الله عنه- لولا سيرتُه في ذلك ما عُرِفَتْ أحْكَامُ البُّغاة، وإنَّما كانَ فِعلُه فيهم حُجَّةً على البعدِ عن التكفير((.
قالَ ابنُ الوزيرِ -رحمهُ الله- الوجه الثاني عشر: أنَّ في الحُكْمِ بتكفيرِ المُختلَّفِ في كُفرِهم مفسدةٌ بينةٌ تخالفُ الاحتياط.
الوجه الثالث عشر: أنَّ الخطأ في العفوِ خيرٌ مِنْ الخطأِ في العقوبة, وثبتَ أنَّه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ما خُيِّرَ بين أمرين, إلَّا اختارَ أيسرهما ما لَمْ يكنْ إثمًا.

 فهذا الَّذي ذكرهُ مِنْ الوجوه إنما هو في إكْفَارِ المتأولين, حتى لو أدَّى بهم تأويلُهم إلى وصفِ الله بما لا يليق, أو إلى تعطيلِ اللهِ -تبارك وتعالى- عن وصفِه ببعضِ كمالاتِه, كما أشارَ إلى ذلك شيخُ الإسلامِ -رحمهُ الله تعالى- عندما قالَ للجَهْمِية النُفاة, الَّذين أنكروا أن يكونَ اللهُ -جلَّ وعلا- مستويًا على عرشِه كما أخبرَ عن نفسهِ في كتابه, فإنَّه لم يُكفِّرهم وعدَّهم مِنْ الجُهَال المتأولين.

وهذا ما يقررهُ في هذا الموضِعِ مِنْ ((إيثارِ الحقِ على الخلق)) العلامة ابنُ الوزيرِ -رحمهُ الله تعالى-.

وذَكرَ العلامة محمدٌ شقرونَ الوهرانيُ, ذكرَ عن إمامِ الحرمين أبي المعالي: أنهُ اعتذرَ عن مسألةٍ مِنْ مسائلِ التكفيرِ، قال: ((لأنَّ الغلطَ فيها يصعُب؛ لأنَّ إدخالَ الكَافِر في المِلَّة، وإخراجَ مسلمٍ منها عظيمٌ في الدنيا)).

ثم قال الوهرانيُ: ((هذا أبو المعالي؛ خافَ مِنْ الغلطِ في إخراجِ مسلمٍ مِنْ الدين واستعظَمَهُ، واعتذرَ به لمَنْ سأله, فكيف يَصِحُ بعدَ تقرِيرِ هذا كلِّه لمَنْ لَمْ يبلغ مِعْشَارَ عُشرِ الأئمـةِ المتقدمينَ المذكورين أنْ يتجـَاسرَ على المسارعة ِإلى التصريحِ بالتكفيرِ في حقِ عبادِ الله المسلمين)).

فمسألةُ تكفيرِ المُعيَّن مسألةٌ كبيرة, تختلفُ فيها أنظارُ المجتهدين, وللعلماءِ في بعضِ جزئياتِها أقوالٌ وتفصيلات، فلهذا ينبغي للمسلمِ ألَّا يتعجلَ في الحُكْمِ على الشخصِ المُعيَّن، أو الجماعةِ المُعينة, أنْ يجتهدَ في ألَّا يتعجلَ في الحُكمِ على أولئك بالكُفر، حتى يتأكدَ مِنْ وجودِ جميعِ شروطِ الحُكْمِ بالكُفرِ، وانتفاءِ جميعِ موانِعه.

فتكفيرُ المُعَيَّن يحتاجُ إلى نظرٍ من وجهين:

الأول: معرفةُ هل هذا القولُ أو الفعلُ الَّذي صدرَ مِنْ هذا المُكلَّف؛ مما يدخلُ في أنواعِ الكفرِ أو الشركِ الأكبرِ أو لا؟

والثاني : معرفةُ الحُكمِ الصحيح الَّذي يُحْكَمُ به على هذا المُكَلَّف، وهل وُجِدَت جميعُ أسبابِ الحُكمِ عليه بالكُفرِ، وانتفت جميعُ الموانعِ مِنْ تكفيرِه أو لا؟

وهذا يجعلُ مسألةَ تكفيرِ المُعَيَّنِ مِنْ المسائلِ التي لا يَحكُم فيها على شخصٍ أو جماعة، إلَّا أهلُ العِلم.

والحُكمُ على المسلمِ بالكُفرِ وهو لا يستحِقُه ذنبٌ عظيم؛ لأنه حُكْمٌ عليه بالخروجِ مِنْ مِلَّةِ الإسلام، وأنَّه حلالُ الدمِ والمال، وحُكمٌ عليه بالخلودِ في النار إنْ ماتَ على ذلك؛ ولذلك وَرَدَ الوعيدُ الشديدُ في شأنِ مَنْ يحْكُمُ على مسلمٍ بالكُفْرِ وهو ليس كذلك؛ فقد ثبتَ عن أبي ذرٍ -رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((لا يَرمِي رجلٌ رجلًا بالفسوق، ولا يرمِيه بالكُفر، إلَّا ارتدَّتْ عليه، إنْ لمْ يكنْ صاحبُه كذلك)). متفقٌ عليه.

وقالَ الإمامُ الشوكانيُّ -رحمهُ الله-: ((اعلم أنَّ الحُكْمَ على الرجلِ المسلمِ بخروجهِ مِنْ دينِ الإسلامِ ودخولِه في الكُفر, لا ينبغي لمسلمٍ يؤمنُ بالله واليومِ الآخر أنْ يُقْدِمَ عليه إلَّا ببرهانٍ أوضَحَ مِنْ شمسِ النهار، فإنَّه قد ثبتَ في الأحاديثِ الصحيحةِ المرْوية مِنْ طريقِ جماعةٍ مِنْ الصحابةِ أنَّ: ((مَنْ قالَ لأخيه: يا كَافِر؛ فقد بَاء بها أحدُهما)).

وفي لفظٍ آخر في الصحيحين وغيرهما: ((مَن دعا رجُلًا بالكُفرِ أو قال: عَدَوَ الله، وليس كذلك، إلَّا حارَ عليه))؛ أي: رجعَ عليه.

وفي لفظٍ في ((الصحيح)): ((فقد كَفَرَ أحدُهما)).

ففي هذه الأحاديث ومَا وَرَدَ مَورِدَها أعظمُ زاجرٍ وأكبرُ واعظٍ عن التَسَرُّع في التكفير)).  

وقالَ ابنُ أبي العزُ الحنفيُّ: ((اعْلَمْ رحِمكَ اللهُ وإيانا أنَّ بابَ التَكفِيرِ وعدمِ التَكفِير، بابٌ عَظُمَت الفِتنَةُ والمِحنَةُ فيه، وكَثُرَ فيه الافتراق، وتَشَتَتْ فيهِ الأهواءُ والآراء، وأمَّا الشخصُ المُعَيَّن، إذا قِيل: هل تشهدون أنَّهُ مِنْ أهلِ الوعيدِ، وأنَّهُ كَافِر؟ فهذا لا نشهَدُ عليه إلَّا بأمرٍ تجُوزُ معه الشهادة، فإنَّه مِنْ أعظَمِ البغيِ أنْ يُشْهَدَ على مُعَيَّنٍ أنَّ اللهَ لا يَغفِرُ له ولا يرحَمُه، بل يُخَلِّدهُ في النار، فإنَّ هذا حُكْمُ الكَافِرِ بعدَ الموت)).

 ولهذا ذكرَ أبو داودَ في ((سُنَنِه في كتاب الأدب: بابٌ النهيِ عن البغي)): وذكر فيه عن أبي هريرة  -رضي الله عنه-  قال: سمعتُ رسولَ الله -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول: ((كانَ رجُلانِ في بني إسرائيلَ متواخيين، فكانَ أحدُهما يذنِب، والآخرُ مجتهدٌ في العبادة، فكانَ لا يزالُ المجتهدُ يرى الآخرَ على الذَّنب، فيقولُ: أقصِر.

فوجدهُ يومًا على ذنبٍ؛ فقال لهُ: أقصِر.

فقال: خلِّني وربي، أبُعِثتَ عليَّ رقيبًا؟

فقال: واللهِ لا يغفرُ اللهُ لك، أو لا يُدْخِلُك الجنةَ.

فقبَضَ أرواحَهما، فاجتمعَا عند ربِ العالمين.

فقال لهذا المجتهد -يعني في العبادة- : أكُنتَ بي عالمًا؟ أو كنتَ على ما في يدي قادرًا؟

وقال للمُذنِب: اذهب فادخل الجنةَ برحمتي.

وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار)).

قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: والذي نفسي بيده، لتكلَّمَ بكلِمةٍ أوبَقتْ دُنياه وآخرتَه.

الحديثُ أخرجَهُ أيضًا أحمدُ وابنُ حبان وغيرُهما، كما رواه أبو داوود وهو حديثٌ صحيح, وله شاهدٌ مِنْ حديثِ جُندُب عند مسلمٍ مرفوعا: ((أنَّ رجُلًا قال: والله لا يغفرُ اللهُ لفلان.

وإنَّ الله تعالى قال: مَنْ ذا الَّذي يتألَّى عليَّ أنْ لا أغفِرَ لفلان ، فإني قد غفرتُ لفلانٍ، وأحبطتُ عملَك)). أو كما قال.

فمِنْ عيوبِ أهلِ البِدَع -كما يقولُ ابنُ أبي العِز- تكفيرُ بعضِهم بعضًا، ومِنْ مَمادِحِ أهلِ العِلم أنَّهم يُخَطِّئونَ ولا يُكَفِّرون.

وقالَ ابنُ الوزير: ((ولقد عُوقِبَت الخوارجُ أشدَّ عقوبة، وذُمَّت أقبحَ الذَّمِ على تكفيرِهم لعصاةِ المسلمين مع تعظِيمِهم في ذلك لمعاصي الله تعالى، وتعظِيمِهم الله تعالى بتكفيرِ عاصيه، فلا يأمَنُ المُكَفِّرُ أنْ يقعَ في مثلِ ذنبِهم، وهذا خطرٌ في الدِّين جليل، فينبغي شدةُ الاحترازِ منهُ مِنْ كلِ حليمٍ نبيل)).

وقال الشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن ابن حسن ابن محمد ابن عبد الوهاب -رحمهم الله تعالى-: ((التَّجاسُر على تكفيرِ مَنْ ظاهِرُه الإسلامُ مِنْ غيرِ مستندٍ شَرعِي، ولا برهانٍ مَرضِيّ يخالِفُ ما عليه أئمةُ العِلمِ مِنْ أهلِ السُّنَّة والجماعة، وهذه الطريقة هي طريقةُ أهلِ البدعِ والضلال، ومَنْ عُدِمَ الخشيةَ والتقوى فيما يَصدُرُ عنهُ مِنْ الأقوالِ والأعمال)).

قالَ شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميَّةَ -رحمهُ الله-: ((لا بدَّ للمُتكلِمِ في هذه المباحثِ ونحوِها، أنْ يكونَ معه أصولٍ كُلية، يرٌدُ إليها الجزئيات؛ ليتكَلَّمَ بعلمٍ وعدل، ثُمَّ يعرفُ الجزئياتِ كيف وقَعَتْ، وإلَّا فيبقى في كَذِبٍ وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكُلِّيات"، وأطالَ الكلامَ على الفَرْقِ بين المتأوِّل والمتعمِّد، ومَنْ قامَت عليه الحُجَّة وزالت عنه الشُّبهة، والمُخطِئ الَّذي الْتبَسَ عليه الأمرُ، وخَفِيَ عليه الحُكْم)).

وقال الشيخُ محمد ابنُ عثيمين -رحمهُ اللهُ ربُّ العالمين-: ((الأصلُ فيمَنْ ينتسبُ للإسلامِ بقاءُ إسلامِه، حتى يتحققَ زوالُ ذلك عنه بمقتضى الدليلِ الشرَعي، ولا يجوزُ التَّساهُل في تكفيره, لأنَّ في ذلك محذورين: أحدُهما: افتراءُ الكذبِ على اللهِ تعالى في الحُكم، وعلى المَحكُومِ عليه في الوصفِ الَّذي نَبَزَهُ به.

أمَّا الأول: فواضحٌ حيث حَكَمَ بالكُفرِ على مَنْ لَمْ يكفِرهُ الله تعالى, فهو كمَنْ حَرَّمَ ما أحَلَّ الله؛ لأنَّ الحُكمَ بالتكفيرِ أو عدمِه إلى الله وحده؛ كالحُكمِ بالتحرِيمِ أو عدمِه.

وأمَّا الثاني: فلأنَّه وصفَ المسلمَ بوصفٍ مُضَاد، فقال: إنَّه كَافِر، مع أنَّه بريءٌ مِنْ ذلك، وحريُّ به أنْ يَعُودَ وصفُ الكُفرِ إليه؛ كما ثبتَ في ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمر  -رضي الله عنهما- أنَّ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((إذا كَفَّرَ الرجُل أخاه، فقد بَاء بها أحدُهما))، وفي روايةٍ: ((مَنْ دعَا رجلًا بالكُفرِ، أو قال: عَدُوَ الله، وليس كذلك، إلَّا حارَ عليه))؛ يعني: رجعَ عليه.

وقولِه في حديثِ ابن عمر: ((إنْ كانَ كمَا قالَ))؛ يعني: في حُكمِ الله  تعالى, وكذلك قولُه في حديث أبي ذرٍ: ((وليس كذلك))؛ يعني: في حُكمِ الله  تعالى,  وهذا هو المحذورُ الثاني؛ أعني: عَوْدَ وصفِ الكُفرِ عليه إنْ كانَ أخوه بريئًا منه، وهو محذورٌ عظيمٌ يوشكُ أنْ يقعَ فيه؛ لأنَّ الغالبَ أنَّ مَنْ تَسَرَّعَ بوصفِ المسلمِ بالكُفرِ, أنْ يكونَ مُعجبًا بعمَلِه، محتقِرًا لغيرهِ، فيكونَ جامعًا بين الإعجابِ بعملِه، الَّذي قد يؤدي إلى حُبُوطِه، وبين الكِبْرِ الموجبِ لعذابِ الله تعالى له في النار؛ كما جاءَ في الحديثِ الَّذي أخرجَه أحمد وأبو داود، عن أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- قال: ((قال اللهُ -عزَّ وجل-: الكِبرياءُ رِدائي، والعظمةُ إزاري، فمَنْ نازعني واحدًا منهما، قذفتُه في النار)). وهو حديثٌ صحيح.

وعند مسلمٍ في ((الصحيح)): ((العِزُ إزارُه والكِبرياءُ رِداؤه, فمَنْ ينازعُني عذبته)).

فالواجبُ قبل الحُكْمِ بالتكفيرِ أنْ يُنظرَ في أمرين:

أمَّا الأمرُ الأول: فدلالة الكتابِ والسُنَّة على أنَّ هذا مُكَفِّرٌ؛ لِئلَّا يفتري على اللهِ الكذب.

والثاني: انطباقُ الحُكْمِ على الشخصِ المُعيَّن؛ بحيثُ تتمُ شروطُ التكفيرِ في حقِّه، وتنتفِي الموانِع)). انتهى كلامهُ -رحمهُ الله تعالى-.

ولذلك كُلِّه، فإنَّه يجبُ على المسلمِ الَّذي يريدُ لنفسهِ النجاة، ألَّا يتعجلَ في إصدارِ الحُكمِ على أحدٍ مِنْ المسلمينَ بالكُفْرِ أو الشِّرك، كمَا أنَّه يَحْرُم على العامةِ وصِغارِ طُلاَّبِ العِلم أنْ يَحكُموا على مُسلمٍ مُعيَّن، أو جماعةٍ معيَّنة مِنْ المسلمين، أو على أُناسٍ مُعَيَّنين مِنْ المسلمين بالكُفرِ دونَ الرجوعِ إلى أهلِ العِلمِ في ذلك.

يَحْرُم على العامةِ وصِغَارِ طُلاَّبِ العِلم, بل وعلى كِبارهم مِمَنْ لمْ يبلغ المَرتبةَ التي تؤهِّلُهُ إلى أنْ يُفتيَ في ذلك, يَحْرُم عليهم أنْ يُطلِقوا التكفير، أنْ يُطلِقوا هذا الوصفَ العظيم على مسلمٍ أو على جماعةٍ دون الرجوعِ إلى أهلِ العِلمِ الكِبار في ذلك, كمَا أنَّه يجبُ على كلِ مسلمٍ أنْ يجتنِبَ مُجالَسة الَّذين يتكلمونَ في مسائلِ التكفير، وهم مِمَنْ يَحْرُم عليهم أنْ يتكلموا في ذلك, لقِلَّة عِلمِهم ولِطيشِهم وحماقاتِهم؛ لأنَّ كلامَهم في هذه المسائلِ مِنْ الخَوضِ في آياتِ اللهِ -جلَّ وعلا-, وقد قال سبحانه-: {وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذين يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [الأنعام: 68].

قال شيخُ الإسلامِ -رحمه الله-: ((إِنَّ تسَلُّطَ الجُهَّال على تكفيرِ عُلماءِ المسلمين مِنْ أعظمِ المُنكَرات، وإنَّمِا أصلُ هذا مِنْ الخوارج والروافض، الَّذين يُكفِّرونَ أئمةَ المسلمين؛ لِمَا يعتقِدونَ أنَّهم أخطئوا فيه مِنْ الدِّين، وقد اتَّفَقَ أهلُ السُنَّةِ والجماعة على أنَّ علماءَ المسلمين لا يجوزُ تكفِيرهُم بمُجردِ الخطأ المَحْض؛ بل كلُّ أحدٍ يُؤخَذ مِنْ قولِه ويُترك، إلَّا رسولَ الله -صلى الله عليه وآله وسلم-، وليس كلُّ مَنْ يُترك بعضُ كلامِه لخطأٍ أخطأه, يُكَفَّر بل ولا يفَسَّق؛ بل ولا يُأَثَّم؛ فإنَّ الله تعالى قال في دعاءِ المؤمنين: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 268].

وفي ((صحيحِ مسلمٍ)) عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: ((أنَّ الله تعالى قال: قد فَعَلت)).

وقال الشيخ عبد اللطيف ابن عبد الرحمن -رحمهما الله- في رسالته التي وجهها لبعضِ المُتَسَرِّعينَ في التكفير، بعدَ ذِكْرِه أنَّه قد أنكرَ على رجُلين صَنَعا مثلمَا صَنعَ هؤلاءِ المُتَسَرِّعينَ في التكفير.

قال -رحمهُ الله-: ((وأخبرتُهما -أي: هذين الرجُلين- ببراءةِ الشيخِ محمد -يعني: الشيخَ محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- ببراءةِ الشيخِ محمد مِنْ هذا المعتَقَدِ والمَذهبِ، وأنَّه لا يُكَفِّرُ إلَّا بمَا أجمعَ المسلمونَ على تكفِيرِ فاعِله مِنْ الشِّركِ الأكبرِ، والكُفرِ بآياتِ الله ورُسُلِه، أو بشيءٍ منها بعد قيامِ الحُجَّة، وبِلوغِها المُعتَبَر)).

ثم استطردَ  -رحمهُ الله-  في بيانِ حالِ هذين الرجُلين، وفي تكفيرهِما لولاةِ أمورِ المسلمين، ولبعضِ أهلِ العِلم، ثم قال مخاطبًا هؤلاءِ المتَسرِّعينَ في التكفير: ((وقد بلَغَنا عنكم نحوٌ مِنْ هذا، وخُضتُم في مسائلَ مِنْ هذا الباب، كالكلامِ في المُوالاةِ والمُعاداة، والمُصالحةِ والمكاتبات، وبذلِ الأموالِ والهدايا ونحوِ ذلك؛ مِنْ مقالةِ أهلِ الشِركِ باللهِ والضلالات، والحُكمِ بغيرِ ما أنزلَ الله عند البوادي ونحوِهم مِنْ الجُفاة، والتي لا يتكلمُ فيها إلَّا العلماءُ مِنْ ذوي الألباب، ومَنْ رُزِقَ الفَهمَ عن اللهِ وأوتيَ الحِكمَة وفصلَ الخِطاب، والكلامُ في هذا يتوقفُ على معرفةِ ما قُدِّمْ، ومعرفة أصولٍ عامةٍ كُلِّية، لا يحوزُ الكلامُ في هذا البابِ وفي غيره لِمَنْ جَهِلها وأعرضَ عنها وعن تفاصِيلِها، فإنَّ الإجمالَ والإطلاق، وعدمَ المعرفةِ بمواقعِ الخِطاب وتفاصِيلِهِ، يحصلُ به مِنْ اللَّبسِ والخطأ، وعدمِ الفِقْهِ عن الله ما يُفسدُ الأديان، ويُشَتِّتُ الأذهان، ويَحولُ بينَها وبينَ فَهْمِ السَنَّة والقرآن.

قال الإمامُ ابنُ القيمِ في ((كافيته)) -رحمهُ الله تعالى-:

وَعَلَيْكَ  بِالتَّفْصِيلِ  وَالتَّبْيِينِ   فَالْ        إِطْلاَقُ   وَالإِجْمَالُ   دُونَ   بَيَانِ
قَدْ أَفْسَدَا هَذَا الوُجُودَ وَخَبَّطَا  ال          أَذْهَانَ   وَالآرَاءَ    كُلَّ    زَمَانِ

انتهى كلامُ الشيخِ عبد اللطيف -رحمهُ الله تعالى-.

قال الشيخُ عبد الله ابن عبد الرحمن: ((وبالجُملة فيجبُ على مَنْ نَصحَ نفسَه ألَّا يتكلَّمَ في هذه المسألةِ، إلَّا بعلمٍ وبرهانٍ مِنْ الله، ولْيحذر مِنْ إخراجِ رجُلٍ مِنْ الإسلامِ بمجردِ فَهمِه واستِحسَانِ عقلِه؛ فإنَّ إخراجَ رجُلٍ مِنْ الإسلامِ أو إدخالَهُ فيه؛ أعظمُ أمورِ الدين, وأيضًا: فمَا تنازعَ العلماءُ في كونِه كُفرًا، فالاحتياطُ للدين التوقفُ وعدَمُ الإقدَام، مَا لمْ يكنْ في المسألةِ نصٌّ صَريحٌ عن المعصومِ -صلى الله عليه وسلم-, وقد استزلَّ الشيطانُ أكثرَ الناسِ في هذه المسألة، فقَصَّر بطائفةٍ، فحَكَمُوا بإسلامِ مَنْ دَلَّت نصوصُ الكتابِ والسُنَّةِ والإجماعِ على كُفرِه؛ -لأنَّ أهلَ السُنَّة يعتقِدونَ أنَّ التكفيرَ حقٌ لله -تباركَ وتعالى وحده-, وعليه فإنهم يُكفِّرونَ مَنْ كَفَّرهُ الله, ومَنْ كَفَّرهُ رسولُ الله -صلى الله عليه وآله وسلم-, ليسوا كالمُرجِئة وليسوا مِنْ المُرجِئةِ بسبيل, ولكنْ لابدَ مِنْ توفُّرِ الشروطِ, وانتفاءِ الموانعِ وقيام الحُجَّةِ الربانيةِ الرسولِية-.

يقول: وقد استزلَّ الشيطانُ أكثرَ الناسِ في هذه المسألة، فقَصَّر بطائفةٍ، فحَكَمُوا بإسلامِ مَنْ دَلَّت نصوصُ الكتابِ والسُنَّةِ ودلَّ الإجماعُ على كُفرِه, وتعَدَّى بآخرين فكَفَّرُوا مَنْ حَكَمَ الكتابُ والسُنَّة مع الإجماعِ بأنَّه مسلم، ومِنْ العجب: أنَّ أحدَ هؤلاءِ لو سُئلَ عن مسألةٍ في الطهارةِ، أو في البيعِ أونحوِهما، لمْ يُفتِي بمجردِ فَهمِه، واستِحسَانِ عقلِه؛ بل يبحثُ عن كلامِ العلماء، ويُفتي بما قالوه، فكيف يعتمدُ في هذا الأمرِ العظيم، الَّذي هو أعظمُ أمورِ الدين، وأشدُّها خطرًا على مجردِ فَهمِه واستِحسَانِه؟!

فيَا مصيبةَ الإسلامِ مِنْ هاتينِ الطائفتين! ويا مِحنتهُ من تلك البَلِيَّتين! -يعنى المرجئة والخوارج-)).

فأمَّا الخوارجُ فإنهم يسارعونَ في التكفيرِ بلا موجِب, ومع ذلك يَتوقُونَ غايةَ التوَقِي مِنْ أمورٍ هي بالنسبةِ إلى تكفيرِ المسلمِ بلا مُوجب لا شيء؛ كالهَباءِ في الهواء, وتأملْ في حالِ الخوارجِ الأقدمين, لمَّا قتلوا عبدَ الله ابنَ خَبَابْ وبقروا بَطنَ امرأتِه, وكانت حامِلًا مُتِمًا واستخرَجوا جَنِينَها فذبحُوه!! تأمل فيمَا فعلوه مِنْ هذا الأمرِ الشنيعِ, والفعلِ الفظيع, وما صنعوا لمَّا أقبل أحدُهم على تَمرةٍ ساقطةٍ فأكلَها, فقال له بعضُهم: وَيْحَكَ! كيف تأكُلها وهي ليهوديٌ, لابد أنْ تستحِلَّه.

وضربَ أحدُهم خنزيرًا بسَوطِه, فقالوا له مُجمِعين: ويحَك! لابد أنْ تستحلَّ صاحبَه, وهو مالٌ غيرَ مُتقومٍ عند المسلمينَ بإجماعٍ واتفاق.

فتأمل في حالِهم مع خنزير، وتأمل في حالِهم مع هذا التابعي ابنِ الصحابي الجليل, مع عبد الله بن خَبَّاب, ومع امرأتِه؛ ذبحوها واستخرجوا جَنِينَها مِنْ بطنِها فذبحوه, وقتلوا عبد الله ابن خبَّاب -رحمهُ الله ورضي عن أبيه-.

هذا شأنُ الخوارجِ في كلِ عصر وفي كلِ مِصر!!!

قالَ الشيخُ سليمانُ ابنُ سحمان -رحمهُ الله- في إجابةٍ لسؤالٍ عن بعضِ المسائلِ المتعلقةِ بالتكفير: ((الحمدُ لله وكفى، وسلامٌ على عبادِه الَّذين اصطفى، أما بعدُ: فقد تأملتُ ما ذَكرهُ الأخُ مِنْ المسائلِ التي اُبتُليَ بالخَوْضِ فيها كثيرٌ مِنْ النَّاس مِنْ غير معرفةٍ ولا إتقان، ولا بَيِّنةٍ ولا دليلٍ واضحٍ مِنْ السُنَّةِ والقرآن، وقد كانَ غالبُ مَنْ يتكلمُ فيها بعضَ المتدَينينَ مِنْ العوام، الَّذين لا معرفةَ لهم بمدَارِك الأحكَام، ولا خبرةَ لهم بمسالِك مهالِكها المُظلِمةِ العِظام، وليس لهم اطِّلاعٌ على ما قرَّرهُ أئمةُ الإسلام، ووضحُوه في هذه المباحثِ التي لا يتكلمُ فيها إلَّا فحولُ الأئمةِ الأعلام، وهذه المسائلُ قد وضَّحَها أهلُ العِلمِ وقرروها، وحَسبُنا أنْ نسيرَ على منهاجِهم القويمِ ونكتفي بمَا وضحَوه مِنْ التعلِيمِ والتفهِيم، ونعوذُ باللهِ مِنْ القولِ على الله بلا عِلم، وهذه المسائلُ التي أشرتُ إليها لا يتكلمُ فيها إلَّا العلماءُ مِنْ ذوي الألباب، ومَنْ رُزِقَ الفَهمَ عن اللِه, وأوتِيَ الحِكْمَة وفَصْلَ الخِطاب)).

انتهى كلامُه رحمهُ الله.

وجاءَ في بيانِ مجلسِ هيئةِ كِبارِ العلماء, في دورتِه التاسعةِ والأربعين التي انْعَقدَت في اليومِ الثاني مِنْ الشهر الرابعِ مِنْ العامِ التاسع عشر بعد الأربعمئةٍ وألف (2/ 4/ 1419هـ) ما نصُه:

((التكفيرُ حكمٌ شرعي، مَرَدُّه إلى الله ورسولِه، فكمَا أنَّ التحليلَ والتحريمَ والإيجاب إلى الله ورسولِه، فكذلك التكفير، وليس كلُّ ما وُصِفَ بالكُفْرِ مِنْ قولٍ أو فعلِ، يكون كفرًا أكبَرَ مخرجًا عن المِلَّة.

ولمَّا كان مَرَدُّ حُكْمُ التكفيرِ إلى الله ورسولِه، لم يَجُز أنْ نُكَفِّرَ إلَّا مَنْ دلَّ الكتابُ والسُنَّة على كُفرِه دلالةً واضحة، فلا يكفي في ذلك مجردُ الشُّبهةِ والظَنْ؛ لِما يترتَبُ على ذلكَ مِنْ الأحكامِ الخطيرة، وإذا كانت الحدودُ تُدْرَأُ بالشُبهَات، مع أنَّ ما يُترتَّبُ عليها أقلُّ مِمَا يُترتَّبُ على التكفير، فالتكفيرُ أولى أنْ يُدْرَأَ بالشُّبهات؛ ولذلك حذَّر النبيُ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ الحُكمِ بالتكفيرِ على شخصٍ ليس بكَافِر، قال: ((أيُما امرئٍ قال لأخيه: يا كَافِر، فقد بَاء بها أحدُهما، إنْ كانَ كما قال، وإلَّا رجعَت عليه)).

وقد يَرِدُ في الكتابِ والسُنَّة ما يُفهَم منه أنَّ هذا القولَ، أو العملَ، أو الاعتقادَ كُفر، ولا يُكفَّر مَنْ اتَّصفَ به؛ لوجودِ مانعٍ يمنعُ مِنْ كُفْرِه، وهذا الحُكْمُ كغيرِه مِنْ الأحكامِ التي لا تتمُ إلَّا بوجودِ أسبابِها وشروطِها، وانتفاءِ موانِعها، كمَا في الإرْثِ، سببهُ القرابةُ مثلًا، وقد لا يرثُ بالقرابةِ لوجودِ مانعٍ كاختلافِ الدِّين، وهكذا الكُفرُ، يُكْرَهُ عليه المؤمنُ فلا يَكْفُرُ به، وقد ينطقُ المسلمِ بكلمةِ الكُفرِ؛ لغلبةِ فرحٍ أو غضبٍ أو نحوِهما؛ فلا يَكْفُرُ بِها؛ لعدمِ القصد، كما في قصةِ الَّذي قال ((اللهم أنت عبدِي، وأنا ربُك"، أخطأ مِنْ شدةِ الفرح)) ، والتسرُّعُ في التكفيرِ يترتبُ عليه أمورٌ خطيرة، مِنْ استحلالِ الدمِ والمال، ومَنْعِ التوارث، وفَسْخِ النِكاح، وغيرِها مما يترتبُ على الرِدَّة، فكيف يسوغُ للمؤمنِ أنْ يُقْدِمَ عليه لأدنى شُبهَة؟!

وإذا كانَ هذا في ولاةِ الأُمور؛ كان أشد لِمَا يترتبُ عليه مِنْ التمرُّدِ عليهم، وحَملِ السلاحِ عليهم، وإشاعَةِ الفوضى، وسفكِ الدماءِ وفسادِ العبادِ والبلاد؛ ولهذا مَنَعَ النبيُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أصحابَهُ -رضي الله عنهم- من مُنابذَتِهم، فقال: ((إلَّا أنْ ترَوْا كُفرًا بَواحًا، عندَكم فيه مِنْ اللهِ برهان)).

فأفادَ قولُه: ((إلَّا أنْ ترَوْا)) أنَّه لا يكفي مُجردُ الظَنِّ والإشاعة، وأفادَ قولُه ((كُفرًا)) أنَّه لا يكفي الفسوقُ ولو كَبُرَ؛ كالظُلمِ، وشُرْبِ الخَمرِ، واللِعبِ بالقُمارِ والاستِئثارِ بالأموالِ وما أشبَه، وأفادَ قولُه: ((بَواحًا)) أنَّه لا يكفي الكُفْرُ الَّذي ليس ببواحٍ أي: ليس بصريحٍ ظاهر، وأفادَ قولُه ((عندَكم فيه مِنْ اللهِ برهان)) أنَّه لابد مِنْ دليلٍ صريح، بحيثُ يكون صحيحَ الثُبوت، صريحَ الدلالة، فلا يكفي الدليلُ ضعيفُ السَند، ولا غامضُ الدلالة، وأفادَ قولُه: ((مِنْ الله)) أنَّه لا عِبرةَ بقولِ أحدٍ مِنْ العلماء، مهما بلغَت منزلتُهُ في العِلمِ والأمانة، إذا لَمْ يكن لقولِه دليلٌ صريحٌ صحيحٌ مِنْ كتابِ اللهِ و سُنَّةِ رسولِه -صلى الله عليه وسلم-، وهذه القيود تدلُ على خطورةِ الأمر.

وقد قالَ علماؤنا مِنْ أهلِ السُنَّة: وإذا توفرت هذهِ الشروطِ على وجْهِها, فلابد مِنْ شرطٍ يُضافُ إليها, دَلَّ على هذا الشرطِ استقراءُ النصوص, والنظرُ فيها مع النظرِ في واقعِ المسلمين عَبْرَ تاريخِهم، وهذا الشرطُ هو استكمالُ العُدَّة، فحتى لو رأى كُفْرًاً صَريحًا ِنده فيه مِنْ اللهِ بُرهان, فإنَّه لا يجوزُ الخروج ولا المنابذةُ بالسلاحِ إلَّا مع تَملُّكِ العُدَّة، وإلَّا فهيَ الفِتنة، وإلَّا فهيَ الفوضى، وما وقعَ في الدولِ الإسلاميةِ التي ضُرِبت بذلكَ ((ربيعِ الماسوني)) مِنْ الثوراتِ الظالمةِ الجاهلةِ الفاسقةِ, أكبرُ دليلٍ وبُرهانٍ على هذا الَّذي قالَهُ العلماءُ عليهم الرحمة.

جُملةُ القول: أنَّ التسرُّعَ في التكفيرِ له خَطرُه العظيم؛ لقولِ اللهِ جلَّ وعلا (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)). انتهى ما ذكرهُ ((بيانُ الهيئة)).

ونسألُ اللهَ أنْ يرُدَنا والمسلمينَ أجمعين إلى الحقِ رَدًا جميلًا, وأنْ يَعْصِمَ أُمتَنا مِنْ الفِتنِ والمِحَنِ الظاهرةِ والباطنة, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

الخطبة الثانية

الحمدُ للهِ ربِ العالمين, وأشهدُ أنْ لا إله إلَّا الله وحدهُ لا شريكَ له هو يتولى الصالحين, وأشهدُ أنَّ محمداً عبدهُ ورسولُه -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين. أمَّا بعدُ:

ففي ختامِ مباحثِ رسالة ((الحُكمُ بغيرِ ما أنزلَ الله)) تلخيصٌ لأكثرِ أحكامِ هذه المسألة, و ذِكْرٌ لوسطيةِ أهلِ السُنَّةِ والجماعةِ فيه, بين مَنْ غَلَى ومَنْ جَفا في هذه المسألةِ العظيمة.

قال: ((إنَّ هناك فرقًا بين الحُكمِ العام على فِعْلٍ مِنْ الأفعال, أو أمرٍ مِنْ الأمورِ بأنَّه كُفر, وبين تطبيقِهِ وتنزيلِهِ على المُعَيَّن, وغَلِطَ في هذا طائفتان:

إحدَاهما: رأتْ أنَّ المُعَيَّنَ لا يَكْفُرُ أبدًا، فأغلقت بابَ الرِدَّةِ بدعوى صُعوبةِ التطبيقِ على المُعيَّن, لعدمِ وجودِ شرطٍ مِنْ شروطِ التكفير, أو لوجودِ مانعٍ مِنْ موانِعهِ كما تقولُ المُرجِئة إنَّه لا يَكفُرُ إلَّا المُكذِّبُ بقلبهِ فقط ,ومعنى ذلك أننا لا نستطيعُ أنْ نحكُمَ على أحدٍ بالكُفرِ بعينِهِ لأيَ قولٍ أو فِعلٍ مِنْ الأفعالِ مهما كانَ ناقضًا للإسلامِ؛ لأنَّه قد يكونُ مؤمنًا لوجودِ التصديقِ في قلبهِ.

وأمَّا الطائفةُ الثانية فقالت: إذا وُجِدَ الحُكمُ العام على فِعْلٍ مِنْ الأعمالِ بأنَّه كُفْر, دخل فيه جميعُ الأفرادِ مِمَنْ وقعَ منهم هذا الفِعْلُ المُكَفِّرْ وكَفَروا بأعيانِهم، فإذا وُجِدَ الحُكمُ-الحُكمُ العام- على فَعْلٍ مِنْ الأفعال أنَّه كُفْر, ووقعَ فيه أحدُ المسلمين, فإنهم يُكَفِّرون هذا الَّذي وقعَ في ذلك الحُكمُ العام بعَينهِ مِنْ غيرِ نظرٍ إلى توفُّرِ الشروطِ وانتفاءِ الموانِعِ, وقيامِ الحُجَّةِ وإزالة الشُّبهة, و دون النظرِ إلى حالِ كلِّ فردٍ على حِدا مِنْ حيثُ توفُّرِ شروطِ التكفيرِ وانتفاءِ موانِعه.

أمَّا أهلُ السُنَّة فإنهم لمْ يقولوا إنَّ المُعَيَّنَ لا يَكْفُر أبدًا، كما أنهم لم يُوقِعوا التكفيرَ على كلِ مَنْ فعلَ المُكَفِّرَ دون النظرِ إلى عوارضِ الأهلية، ولو نظرنا إلى فِعْلِ السلفِ -رحمَهم الله تعالى-, لوجدنا أنهم كثيرًا ما يُطلقونَ التكفيرَ في بعضِ الأفعالِ والبدعِ والمقالاتِ و نحوِها، وحينما يُطَبقونَها على مَحَلِّها بتكفيرِ المُعيَّن يتشددونَ في التطبيقِ؛ لأنَّ مَنْ وقعَ منه ذلك قد يكونُ جاهلًا, وقد يكونُ مُتأولًا تأولًا سائغًا، وقد يكونُ حديثَ عهدٍ بالإسلام, إلى غيرِ ذلك مِنْ الأمورِ التي تمنعُ مِنْ الحُكمِ بتكفيرهِ بعَينهِ.

والإمامُ أحمد وغيرُه أطلقوا أنَّ التَجَهُّمَ وتعطيلَ الصفاتِ أو القولَ بخلقِ القرآن أو إنكارَ رؤيةِ الله تعالى في الآخرةِ أو إنكارَ القَدَرِ أطلقوا أنَّ هذا كُفر، لكنهم لمْ يُكَفِّروا الأعيانَ إلَّا قليلاً مِمَنْ ثبتَ كُفْرُهم بتوَفُرِ الشروطِ وانتفاءِ الموانِع ومِنْ ثمَّ أُقيمت عليهم أحكامُ الرِدَّةِ مِنْ القتلِ وغيره, ولابدَ مِنْ قيامِ الحُجةِ قبلَ الحُكمِ بالتكفيرِ)).

هذا ما عليه أهلُ السُنَّة والجماعة، وأمَّا التكفيريون وهم أفراخُ الخوارجِ في هذا العصر, وقد بشَّر النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- الأُمة بشأنِ هؤلاء التكفيريين مِنْ الخوارجِ الَّذين يظهرون في كلِ عصر، بشَّرَ الأُمة بقولهِ: ((كلما طلع قرنٌ قُطع)).

فإنَّ فِتنتَهم لا تدوم, ولابد لتيارِ أهلِ السُنَّة, أهلِ الحق مِنْ أنْ يجرفَ هذه النِفايات, وأنْ يَمحقَ هذه الخبائث حتى يُزيلَها عن مهيعِ الحقِّ و مَوردِ الصدقِ حتى لا تبقى شُبهة, ولا تستقرَ مِحنةٌ ولا فِتنة، والله -جلَّ وعلا- هو الَّذي يحمى دينه, وينصرُ الحقَ وأهلَه.

قال شيخُ الإسلامِ -رحمَه الله-: مؤكدًا على أنَّه لابدَ مِنْ وجودِ الحُجَّةِ قبل الحُكمِ بالتكفير:

((مَنْ كانَ مؤمناً باللهِ ورسولِه مطلقًا ولم يبلُغُه مِنْ العِلمِ ما يُبَيِّن له الصواب, فإنَّه لا يُحْكَمُ بكُفْرِه حتى تقومَ عليه الحُجَّةُ التي مَنْ خالَفها كَفَر، إذ كثيرٌ مِنْ الناسِ يخطئُ فيما يتأولُه مِنْ القرآن، ويَجهلُ كثيرًا مما يَرِدُ مِنْ مَعاني الكتابِ والسُنَّة، والخطأُ والنسيان مرفوعان عن هذه الأُمة, والكُفْرِ لا يكونُ إلَّا بعد البيان)).

وقوله وهو قولُ أهل السُنَّةِ مِنْ علماءِ هذه الأُمَةِ الَّذين هم عُلماؤها: ((لا يُحْكَمُ بكُفْرِهِ حتى تقومَ عليه الحُجَّة التي مَنْ خالَفها كَفَر)).

لأنَّ التكفيريين في الجملة، لأن الخوارجَ يأتون بحُججٍ مِنْ الكتابِ والسُنَّة ويُنزِّلونها على غيرِ مَنازِلها, ويجعلونها في غيرِ مواضِعها، وأكثرُ هؤلاءِ جهلةٌ بما أنزلَ اللهُ على رسولهِ -صلى الله عليه وسلم-، والروافضُ كذلك، وهؤلاء و هؤلاءِ فيهم مِمَنْ تستحوذُ عليه شهوةُ البطنِ والفَرْجِ جَمٌ غفير.

في أواخرِ السبعينيات: لقيتُ في مدينةِ البعوثِ الإسلامية, إمامًا مِنْ أئمةِ الأوقافِ آنذاك، وكانَ مُكَلَفًا بالخطابةِ في مسجدٍ في الإسكندرية، فتكلمَ في حقِ عِرضِ رئيسِ الدولةِ آنذاك، فَفصلَتُه الأوقاف ، وكانَ كَفِيفًا، فأتى إلى بعضِ أشكالِه مِمَنْ كان قاطنًا في مدينةِ البعوثِ الإسلامية، وجَاءَ الخبر أنَّه يتكلمُ في بعضِ الشُبهات، وأنَّه يريدُ أنْ يُضِلَ كثيرًا مِنْ الطلابِ الأزهرِيين، وكانَ ذلك على بابِ المَسجدِ قبلَ أذانِ الظُهرِ بقليل، فلمَّا ذَهبتُ إليه قلتُ في نفسيِ: فلآتي الأمرَ مِنْ بَابه، فقلتُ له: ما تقولُ في الأئمةِ الأربعة؟

قالَ: كُفار!!

فانفضَ عنه الطلُاب، وكادوا قبل انفضَاضِهم أنْ يقتلوه، فكلُّهم مُتمذهِبون مِنْ الأزهريين.

قلتُ له: أنت غريبٌ هَاهُنا لمْ أرك مِنْ قبل؟

قالَ : أنا مِنْ الإسكندرية وقد نزلتُ على فلانٍ في موضعِ كذا.

فقلتُ: أتُحبُّ أنْ أشتريَ لك شيئًا مِنْ الطعام؟ -أنَّ مكانَ الطعامِ بعيدٌ عن المكانِ الَّذي نزلَ فيهِ في ذلك الوقت-.

فقالَ: لا فإنَّ مَنْ نزلتُ عليه سيأتي لي بطعامٍ مِنْ طعَامِه؟

قلتُ : وتأكلُ ذبيحةَ الكُفار؟!

إذا جاءَ التكفيرُ إلى البَطن فلا تكفير!!

وإذا كانَ التكفيرُ لخرابِ الأُمة, ودمارِ البلاد والعباد وضياعِ مكاسبِ الإسلامِ في البلدانِ الإسلاميةِ على مدارِ أربعةَ عشرَ قرنًا مِنْ الزمان, فمرحبًا بهِ وأهلًا!! إنَّما هو الضلال.

قالَ شيخُ الإسلامِ -رحمَه الله- ذاكرًا بعض الأعذَارِ التي يجبُ مراعاتُها قبل الحُكْمِ بالتكفيرِ على أي شخصٍ، وذلك عند صدورِ الأقوالِ التي يلزمُ منها الكُفرُ لقائلِها:

((وهكذا الأقوالُ التي يَكْفُرُ قائلُها، قد يكون الرجُلُ لم تبلُغُه النصوصُ الموجبةُ لمعرفةِ الحق, وقد تكون بلَغتْه ولم تَثْبُت عندَه أو لم يتمكن مِنْ فهمِها, وقد يكون عَرَضَتْ له شُبهاتٌ يعذُرُهُ اللهُ تعالى بها، فمَنْ كانَ مِنْ المؤمنينَ مجتهدًا في طلبِ الحقِ وأخطأ, فإنَّ الله -سبحانهُ وتعالى- يغفِرُ له خطأه كائنًا ما كان, سواءٌ كانَ في المسائلِ النظريةِ أو العملية)).

هذا الَّذي عليه أصحابُ النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- و-رضيَ الله عنهم- وجماهيرُ أئمةِ الإسلامِ -رحمَ الله تبارك وتعالى مَنْ مَاتَ منهم-, وحَفِظَ الله -تبارك وتعالى- الأحياءَ مِنْ المعاصرين.

((سيخرجُ في آخرِ الزمان))؛ يقولُ نبيُّكم الهُمام -صلى الله عليه وآله وسلم- كما في ((الصحيحين)) من روايةِ عليٍ -رضي الله عنه-: ((سيخرجُ في آخرِ الزمان قومٌ حُدثاءُ الأسنان، سُفهاءُ الأحلام, يقولونَ مِنْ خيرِ قولِ البرية، يقرأونَ القرآن لا يجاوزُ حَناجِرَهم, يحسبونَ أنَّه لهم وهو عليهِم، يمرُقونَ مِنْ الدينِ كما يمرقُ السَهمُ مِنْ الرَمِيَّة، فإذا لقيتموهم فاقتلوهم, فإنَّ في قتلِهم أجرًا لمِنْ قتلَهم يومَ القيامة)). الحديثُ في ((الصحيحين)) واللفظُ لمسلم.

فاتقوا الله أيها المسلمين, ولا تشابهوا الخوارجَ الأقدمين ولا الخوارجَ المعاصرين, فإنَّ الجامعَ بين هؤلاءِ وهؤلاءِ, أنهم يُسارعونَ في التكفيرِ بلا مُوجِب، وأنَّهم يتشددونَ حيثُ لا ينبغي التشدُّد, ويتساهلُونَ حيثُ لا ينبغي التساهُل, ويعكسون دلالاتِ النصوص, فيقتلونَ المسلمين, ويَعتدون على المؤمنين, ويَدَعونَ الكافِرينَ الظالمين, كما أخبرَ النبيُ الأمين -صلى الله عليه وآله وسلم-, و هم غِلاظُ الأكبادِ ليس في قلوبِهم رحمة، ويزْعُمون أنَّهم على الهُدى وقد أضلَّهم اللهُ الضلالَ المبين.

هذا عبد الرحمنُ بن مُلْجَم -لا رَحِمَ اللهُ فيه مَغْرِزَ إبرة-, وهو قاتِلُ عليٍّ -رضي الله تعالى عنه-، لمَّا جيء بهِ إلي الحسن؛ إلى الحسنِ بنِ عليٍ -رضي الله عنهما-؛ فأمرَ بقطعِ يدهِ, وهو قائمٌ بالذِكرِ لا يَرِيم، فأمرَ بقطعِ رجْلِهِ مِنْ خِلاف, وهو على ذِكْرِهِ لا يَفْتُر، فأمرَ بسَمْلِ عَينيه, فلمْ يَدَع الذِكرَ لحظةً، فأمرَ بأنْ يُسَلَّ لسانُهُ مِنْ فمهِ ليُقطع فَجزِع.

فقيل له: وَيْحَكَ!! قُطِعت يدُكَ و رِجلُك و سُمِلَت عيناك فلمْ تجزَع، فلمَّا أرادوا قَطْعَ لِسانِك جَزعت. قال: أحِبُ أنْ أموتَ ولساني رطبٌ بذِكرِ الله.

هذا شأنُ الخوارجِ؛ يعكسونَ المسائلَ, ويخبِطون على غير هُدى، احذروهم فإنَّهم فتنةُ هذا العصر، وهم سببُ هلاكِ هذهِ الأُمة, فيما بهِ بعضُ هلاكِها, كما قالَ رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديثِ ثوبان الَّذي عند مسلمٍ وغيره: ((وسألتُه أنْ لا يجعلَ بأسَ الأُمة بينها فمنعنيها، حتى يكونَ بعضُها يقتُل بعضًا وحتى يسبِي بعضُها بعضًا))، مع أنَّ الله -تبارك وتعالى- آتى نبيَّهُ -صلى الله عليه وآله وسلم- خَصلَتين سوى هذه الخَصلَة التي منعَ النبيَ إياها -صلى الله عليه وسلم-، قال: ((سألتُه أنْ لا يُهلِكَ أُمتي بسَنَةٍ عامة-أي بالجَدْبِ الكاملِ الشاملِ المحيط, وبالمَجاعةِ العارِمةِ المستأصلةِ للأُمة- فأعطانِيها، وسألتُه أنْ لا يُسَلِّطَ عليها -أي على أُمتِه صلى الله عليه وآله وسلم مِنْ خارِجِها- مَنْ يستأصلُ شأفتها ويستبيحُ بيضَتها؛ قال:فأعطانِيها)).

لا خَوْفَ على الأُمةِ مِنْ اليهودِ ولا مِنْ الصليبيينِ ولا مِنْ الأمريكان ولا مِنْ غيرهم، ولكنْ ينبغي علينا أنْ نسِيرَ في الدعوةِ السَيرَ الصحيح، لا كما يفعلُ التكفيريون وغيرُهم بقتلِ الناس, كيف ما اتُفِقَ عندَهم مِنْ غيرِ ما تَمييز, كفعلِ الخوارجِ المتقدمين.

ما الَّذي يُفيدُه المسلمونَ في فرنسا, وفي أوربا وفي العالمِ الغربي كلِّه, مِنْ قتلِ طائفةٍ مِنْ الفرنسيين؟!!

ما الَّذي يفيدُه المسلمون؟!!   

أقولُ لك:

سيُضيَّق عليهم, وستقومُ فِتنةٌ عظمى، قد حذَّر وزيرُ الداخلية الفرنسي الفرنسيين مِنْ الوقوعِ في هوتِها.

يقولُ أوصِيكم بضبطِ النفس! ما معنى هذا؟!

أنْ يقومَ غيرُهم ومَنْ يركبُ الموجَةَ مِنْ غيرِهم بالاعتداء على المسلمين, بانتهاك الأعراض, بحرقِ الممتلكات, بإزهاقِ الأنفُس, بإراقةِ الدماء, بالتضييقِ عليهم في موارِدهم ومصادِرهم, في مشارِعهم وفي طرقاتِهم، ثم قد قامت الذريعةُ عندهم وعند الدنيا كلِّها؛ إنَّ هذا الدينَ هو دينُ الإرهاب، ثمَّ ينشرونَ مِنْ الصورِ ما هو مَعلوم عن نبيِ الرحمةِ -صلى الله عليه وآله وسلم-، وعند مواطنِيهم تقومُ الحُجَّة, هذا دينٌ يدعو إلى إراقةِ الدماء, إلى ذبحِ الأناسي, على مَرئى ومَسمَع مِنْ غيرِ مَا ذرةٍ مِنْ الرحمةِ في القلوبِ, ولا في النفوسِ, ولا في الأرواحِ.

 يا وَيْحَ هؤلاء! الَّذين يَخرِقونَ السفينةَ لِيُغرِقوا أهلَها.

وَيحَهم ثم وَيحَهم ثم وَيحَهم! إنَّهم يَخرِقون السفينةَ لِيُغرِقوا أهلَها !

اسألُ الله أنْ يأخذَ على أيديهم, كما طَبعَ على قلوبِهم, وأنْ يُجَنِّبَ المسلمينَ شَرَّهُم, وأنْ يجمعَ المسلمينَ على كلمةٍ سواء, وصلى الله وسلم على نبينا محمدٍ وعلى آلهِ وأصحابه أجمعين.

 

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك