تفريغ مقطع : قصة جريج وغض البصر

وتَحْسَبُ أنَّ النظرَ إذا ما سُرِّحَ في محارمِ اللهِ ربِّ العالمين نظرًا؛ في صورةٍ صامتةٍ مطبوعة، أو صورةٍ ناطقةٍ مُشَاهَدةٍ مُبْصَرة، تظُنُّ أنَّ ذلك مما كَنَزْتَه لنفسك دنيا وآخرة، وأنَّ ذلك مما حَصَّلْتَه لك ذُخْرًا، وأنَّ ذلك مما قد حُزْتَهُ لديك كَنْزًا مكنوزًا؟!!

وَاهِمٌ أنت يا صاحبي!!

ففي الحديثِ الصحيحِ عن أبي هريرة رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم- يحكي عن الثلاثة الذين تكلموا في المَهْدِ.

قال: ((وَصَاحِبُ جُرَيْج، وَذَلكَ أنَّ جُرَيْجًا كَانَ رَجُلًا عَابِدًا؛ فَاتَّخَذَ لِنَفْسِهِ صَوْمَعَةً يَعبُدُ اللهَ فيها وكما سيأتي في طلبهِ ممن هدموها؛ أنْ يُعيدوها كما كانت؛ أنها كانت صومعةً مُتخذةً مِن طين-، فكان مُنعزلًا يعبدُ اللهَ تبارك وتعالى- ويذكرُه-.

وجَاءت أُمُّهُ وهي عجوز- وَكَانَ يُصَلِّي للهِ ربِّ العالمين-، فَنَادتهُ: يَا جُرَيْجُ.

فَقَالَ: يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي.

قَالَتْ: يَا جُرَيْجُ.

أُمِّي وَصَلَاتِي.

فنادته.

يقول: أُمِّي وَصَلَاتِي.

فغلَّبَ الصلاةَ على نداءِ الأمومةِ الحانية الوالهة، التي قد شَقَّعليها طُولُ الطريق، الأمومةُ الحانيةُ الوالهةُ، التي تريدُ أنْ تستأنسَ برؤيةِ فِلذةِ الكبد، وأنْ تنظرَ إليه، وأنْ تتملى في صفحةِ وجهه، فما مِن جواب.

أُمِّي وَصَلَاتِي، فلم يُجِبْهَا، فَانْصَرَفَتْ.

فَلَمَّا كَانَ الْغَدِ أَتَتْ، يا جُرَيْج.

أُمِّي وَصَلَاتِي، أُمِّي وَصَلَاتِي، فلم يُجِبْهَا، فَانْصَرَفَتْ.

فَلَمَّا كَانَ الْغَدِ جَاءت، يا جُرَيْج.

فلم يُجِبْهَا، أُمِّي وَصَلَاتِي.

والأمومةُ تكونُ أحيانًا مُستبدة، ويبلُغُ الغضبُ بها مبالغَه، فتدعو دعوةً تُفتحُ لها أبوابُ السموات، فماذا اختارت له مِن بينِ الدعوات؟

اختارت له عقابًا مُرًّا على كلِّ فِطرةٍ مستقيمة، وطبيعةٍ سليمة، وأما أصحابُ الشهواتِ فيعتبرونَ ذلك مَغْنَمًا، وأما مَن شُوِّهَت فِطْرَتُهم، فأولئك لا خَلاقَ لهم من دينِ الإسلامِ العظيم، وهؤلاءِ يعتبرونَ الخروجَ الخروجَ على دينِ الإسلامِ العظيم مَغْنَمًا.

وأما جُرَيج، فاختارت له أُمُّه، قالت: ((اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ)).

يا لها من دعوة، تَستنزلُهُ من عُليا آفاقِ السُّمو إلى الوِهادِ التي تلطخت بوحلِ الرذيلة، تستنزلهُ مِن علياء الطُّهرِ إلى حمئةِ الفاحشة الفاحشة، ((اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إِلَى وُجُوهِ الْمُومِسَاتِ))، وَكَانَتْ بَغِيٌّ من بني إسرائيل يُضربُ المَثَلُ ِحُسْنِهَا.

تَذَاكَرَ بنو إسرائيل يومًا جُرَيْجًا وعبادته، فقالت: لَأَفْتِنَنَّهُ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ فَلَمْ يَأبَه لها.

مَن تكون؟

ليست شيئًا على الإطلاقِ في ميزانِ شرفٍ ولا خُلُق، هي أَحطُّ من الذبابة، بل أقلُّ منها، بل هي ليست شيئًا بمرَّة، فيا ليتها لم تكُن شيئًا، فلم تصنع معه شيئًا.

فذهبت إلى راعٍ  كَانَ يَأْوِي بِغَنمِهِ إِلَى صَوْمَعَةِ جُرَيْجٍ؛ فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَقَعَ عَلَيْهَا فَأحبَلَهَ، فَلَمَّا وَلَدَتْ؛ قَالَتْ هُوَ مِنْ جُرَيْجٍ.

العامةُ كأنما اشتُقَّ اسمهم من العَمَى، العامةُ والعوامُ كأنما اشتُقَّ اسمُهم من العَمَى، لا يُبصرون، أتباعُ كلِّ ناعق، فصدَّقوا هذه، إسنادُها نظيف!! وهي ثقةٌ ثقةٌ ثقةٌ حتى تتقطعَ الأنفاس!! مَن تكون؟!!

قالت: هو من جُرَيْج.

فذهبوا إليه؛ فَهَدَمُوا عليه صَوْمَعَتَهُ، واستخرجوهُ فضربوه.

ويَحهم ألا يُبصرون؟!

أليس فيهم رجلٌ رشيد؟!!

ولكنْ كذلك العمى والعمهُ يكون.

فقال: ما شأنكم هكذا بحِلمِهِ وصبرهِ- ما شأنُكم؟

قالوا: وقعتَ على هذه، وهذا ابنُك من سِفاحٍ وخنا.

قال: فأمهلوني حتى أُصَلِّيَ.

فقام فصلَّى، ثم قال: أين هو ذلك الوليد؟

فجيء به، فطعن بأصبعهِ في بطنه، فقال: مَن أبوك؟

قال: أبي الراعي.

فتحوَّل من اشتُقَّ اسمُهم مِن العمَى؛ يتمسحونَ به يتبركون، أقبلوا عليه وقالوا: ائذن لنا أن نُعيدَ بناءَ صومعتِك من ذهب.

قال: لا، ولكن اجعلوها كما كانت من طين.

النظرُ في وجوهِ الفاحشاتِ المُتفحشات عقوبة من أكبر العقوبات ولكن قومي لا يعلمون، اللهم لا تمته حتى ينظر في وجوهِ المومسات، فكان عقابًا ما أشدَّ منه من عقابٍ كان، بل هو أشدُّ عقابٍ يكون لكلِّ ذي نَفْسِ شريفة، فضلًا عن نَفْسٍ مؤمنةٍ بربِّ العالمين، فضلًا عن نَفْسٍ مُنقطعةٍ إلى اللهِ ربِّ العالمين عبادةً وزَهادةً وإقبالًا على ربِّ العالمين.

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  • شارك