رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمُسِنِّينَ


 ((رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ بِالْمُسِنِّينَ))

إِنَّ مَدَارَ الشَّرِيعَةِ عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَإِثْبَاتِ التَّيْسِيرِ {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْر} [البقرة: 185].

فَمَدَارُ شَرِيعَةِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا- عَلَى نَفْيِ الْحَرَجِ وَرَفْعِهِ؛ لِأَنَّ الشَّرِيعَةَ فِي مُنْتَهَاهَا إِنَّمَا هِيَ جَلْبُ مَنْفَعَةٍ وَدَرْءُ مَفْسَدَةٍ.

وَاللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ مَا كَلَّفَ الْإِنْسَانَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَجَعَلَ لَهُ فِيهِ تَيْسِيرًا وَرَفَعَ عَنْهُ فِيهِ الْحَرَجَ.

فَتُشْتَرَطُ -مَثَلًا- الْقُدْرَةُ لِلصِّيَامِ: وَعَدَمُ الْقُدْرَةِ عَلَى الصِّيامِ كَالْعَجْزُ الدَّائِمُ كَحَالِ كَبِيرِ السِّنِّ, أَوْ الْمَرِيضِ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ -أَيْ: شِفَاؤُهُ مِنْ مَرَضِهِ-.

وَالَّذِي لَا يَسْتَطِيعُ الصَّوْمَ لِكِبَرِهِ؛ أَطْعَمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.

*رَحْمَةُ الْإِسْلَامِ حَتَّى بِكِبَارِ السِّنِّ مِنَ الْكَافِرِينَ فِي الْحَرْبِ:

قَالَ تَعَالَى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190].

عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: ((الْمُرَادُ بِذَلِكَ: النَّهْيُ عَنْ ارْتِكَابِ الْمَنَاهِي مِنَ الْمُثْلَةِ، وَالْغُلُولِ، وَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا قُدْرَةَ لَهُمْ عَلَى الْقِتَالِ، وَكَذَلِكَ النَّهْيُ عَنْ قَتْلِ الرُّهْبَانِ، وَتَحْرِيقِ الْأَشْجَارِ، وَقَتْلِ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ مَصْلَحَةٍ)).

قَالَ القُرْطُبِيُّ: «وَلِي عَلَيهِ مِنَ النَّظَرِ: أَنَّ قَاتَلَ (فَاعَلَ) لَا يَكُونُ فِي الغَالِبِ إِلَّا مِنَ اثْنَيْنِ كَالمُقَاتَلَةِ وَالمُشَاتَمَةِ وَالمُخَاصَمَةِ، وَالقِتَالُ لَا يَكُونُ فِي النِّسَاءِ وَلَا فِي الصِّبْيَانِ وَمَنْ أَشْبَهَهُمْ؛ كَالرُّهْبَانِ وَالزَّمْنَى وَالشُّيُوخِ، فَلَا يُقَاتَلُونَ».

وَفي الآيَةِ نَهْيٌ مُطْلَقٌ يُفِيدُ التَّحْرِيمَ عَنْ قِتَالِ مَنْ لَمْ يُقاتِلْ؛ مِنَ النِّسَاءِ، وَالأَوْلَادِ، وَالُّشيُوخِ، وّالرُّهْبَانِ، وَكَذَلِكَ أَفَادَتِ الآيَةُ بِمَفْهُومِ المُخَالَفَةِ -وَهُوَ حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ عِنْدَ غَيْرِ الأَحْنَافِ- عَدَمَ قَتْلِ مَنْ لَمْ يَقَاتِلْنَا كَالمَرْضَى وَالصِّغَارِ والنِّسَاءِ.

قَالَ النَّوَوَيُّ: «أجْمَعَ العُلَمَاءُ عَلَى تَحْرِيمِ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ إِذَا لَمْ يُقَاتِلُوا».

عَنِ ابْنِ عُمَرَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- أَنَّ النَّبِيَّ : «نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ».

وَأَخْرَجَ مِالِكٌ وَأَبُو دَاوُدَ، وَصَحَّحَهُ الأَلْبَانِيُّ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ ابْنًا لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ الأَنْصَارِيِّ أَخْبَرَهُ قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللهِ  النَّفَرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَبَا الحُقَيْقِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَالوِلْدَانِ».

كَتَبُوا أَيْضًا: «لَا يَقْتُلُ الْأَعْمَى وَالزَّمْنَى، وَلَا الرَّاهِبَ، وَلَا العَبْدَ، وَلَا يَقْتُلُ -المُجَاهِدُ- الفَلَّاحِينَ، وَلَا الصُّنَّاعَ».

فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا- فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة: 190]، وَلَا تَعْتَدُواْ، يَقُولُ: «لَا تَقْتُلُوا النِّسَاءَ، وَالصِّبْيَانَ، وَالشَّيْخَ الكَبِيرَ, وَلَا يُقْتَلُ الزَّمْنَى، وَلَا الْأَعْمَى، وَلَا الرَّاهِبُ، وَلَا يُقْتَلُ العَبْدُ».

وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ : «أَدْرِكُوا خَالِدًا فَمُرُوهُ أَلَّا يَقْتُلَ ذُرِّيَّةً وَلَا عَسِيفاً»؛ وَهُمُ العَبِيدُ.

قَالَ مَالِكٌ: «لَا يُقْتَلُ النِّسَاءُ، وَالصِّبْيَانُ، وَالشَّيْخُ الكَبِيرُ, وَالرُّهْبَانُ المَحْبُوسُونَ فِي الصَّوَامِعِ وَالدَّيَّارَاتِ».

قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ -رَحِمَهُ اللهُ-: «إِذَا ظَفَرَ بِالكُفَّارِ؛ لَمْ يَجُزْ قَتْلُ صَبِيٍّ لَمْ يَبْلُغْ بِغَيْرِ خِلَافٍ، وَلَا تُقْتَلُ امْرَأَةٌ، وَلَا هَرِمٌ وَلَا شَيْخٌ فَانٍ، وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ».

فدِينُ مُحَمَّدٍ رَحْمَةٌ فِي السِّلْمِ، وَرَحْمَةٌ فِي الحَرْبِ.

 

المصدر: حُقُوقُ الْمُسِنِّينَ وَرِعَايَةُ حُقُوقِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ

التعليقات


فوائد مفرغة قد تعجبك


  لِمَاذَا لَا تَتُوبُ الْآنَ؟!
  مِنْ مَعَانِي التَّضْحِيَةِ: التَّضْحِيَةُ بِالْمَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ -جَلَّ وَعَلَا-
  هَدَفُ الْيُهُودِ الْخَبِيثُ: هَدْمُ الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى
  مَبْنَى الْحَيَاةِ عَلَى الِابْتِلَاءِ
  الِاسْتِغْفَارُ عَقِيبَ الطَّاعَاتِ وَحِكْمَتُهُ
  الدَّعْوَةُ إِلَى إِفْرَادِ اللهِ بِالْعِبَادَةِ
  حُسْنُ الخُلُقِ مِنْ كُبْرَى غَايَاتِ دِينِنَا
  الْهَدَفُ مِنْ خَلْقِ الْخَلْقِ وَإِقَامَةِ الْمُجْتَمَعَاتِ عِبَادَةُ اللهِ وَتَوْحِيدُهُ
  الْحَثُّ عَلَى رِعَايَةِ الْأَيْتَامِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ
  مِنْ مَظَاهِرِ الْإِيجَابِيَّةِ: الْمُسَارَعَةُ فِي الْخَيْرَاتِ وَالسَّعْيُ لِنَيْلِ رِضَا اللهِ
  اسْتِقْرَارُ الْمُجْتَمَعِ بِالْعَدْلِ وَهَدْمُهُ وَهَلَاكُهُ بِالظُّلْمِ
  الْخُلُوصُ مِنَ الشِّرْكِ وَطَهَارَةُ الْقَلْبِ فِي لَيْلَةِ النِّصْفِ
  «تاريخ نشأةِ بِدْعَةِ الاحتفالِ بِالمَوْلِدِ النَّبويِّ» الشَّيخ العلَّامة المُحَدِّثُ: عبد المُحْسِن العبَّاد البدر -حفظه الله-
  تَقْدِيمُ الْمَصْلَحَةِ الْخَاصَّةِ فِي حَالَاتٍ يُهْلِكُ الْجَمِيعَ!!
  تَحْذِيرُ الْإِسْلَامِ مِنْ وَسَائِلِ الشَّائِعَاتِ كَالْغِيبَةِ وَالْكَذِبِ
  • شارك