تفريغ خطبة أحداث البطرسية

أحداث البطرسية

خطبة أحداث البطرسية

خطبة الجمعة 17 من ربيع الأول 1438هـ الموافق 16-12-2016م

للشيخ العلَّامة: أبي عبد الله محمد بن سعيد رسلان حفظه الله-.

إنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ، وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ؛ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ﷺ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ﷺ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ، وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَمَا زَالَت الأحداثُ الداميةُ التي تَقَعُ في مِصْرَ تَدُلُّ على أنَّ أَكْثَرَ الذينَ يتناولونَهَا بالتحليلِ والتفسيرِ والتوضيحِ والتَّبِيينِ؛ لا يَخْرُجُ تَنَاولُهُم عَن الثرثرةِ الفارغةِ الجاهلةِ بحقيقةِ المعركةِ الدائرةِ وماهيَّةِ الصِّرَاعِ المُحْتَدِمِ, وَلَا شَكَّ أنَّهُ عِنْدَ احتدامِ الصِّرَاعِ يَتَوَارَى الصوابُ, وَمِن أكبرِ العَيْبِ، وهو دليلٌ قاطعٌ على انعدامِ المُروءةِ, وَفُجْرِ الخصومةِ, وتَدَنِّي النَّفْسِ أنْ يُتَاجَرَ بالأشْلَاءِ والدِّمَاءِ, وأنْ يُزَايَدَ على الحَسَرَاتِ والعَبَرَاتِ!!

هل يَعْلَمُ الذينَ يَمْلَؤُونَ الدنيا في الفضائياتِ ثَرْثَرَةً وَكَلَامًا, ويَمْلَؤُونَ الأوراقَ في الصُّحُفِ والمَجَلَّاتِ مِدَادًا وَسَوَادًا, ويَزْحَمُونَ العَالَمَ الافتراضيَّ أكاذيبَ وبُهْتَانًا, هَل يَعْلَمُ هؤلاء أنَّ الحربَ التي تخوضُهَا مِصْر قِيَادَةً وَجَيْشًا وشُرْطَةً وَشَعْبًا- حَرْبٌ عقائديةٌ؟

فَهَل تُخَاضُ هذه الحربُ بالاعتداءِ على الدِّينِ والطَّعْنِ في ثَوَابِتِهِ؟

أليسَ هذا مِمَّا يُعْطِي الحُجَّةَ للتكفيريينَ أمامَ أنفُسِهِم؟!

وهل يَعْلَمُ المُتكلمونَ أنَّ الذينَ يُكَفِّرونَ ويُفَجِّرُونَ ويَنْسِفُونَ ويَقْتُلُونَ يعتقدونَ أنَّ المسلمينَ أَشَدُّ كُفْرًا مِن المَسيحيينَ واليهود؟!

يَعْتَقِدُونَ أنَّ المُسلمينَ مُرْتَدِّينَ عن الإسلامِ؛ بَيْنَمَا الآخرونَ أَهْلُ كتابٍ, فَهُم أقربُ إليهم مِن المُسلمينَ المُرتدِّين!!

وهل يَعْلَمُ هؤلاء المُحَلِّلُونَ أنَّ الاعتداءَ على الكنائسِ وقَتْلَ المسيحيينَ لَيْسَ مَقْصُودًا أَوَّليًّا عندَ التكفيريين؟!

وَهُم لا يحتاجونَ إلى مَن يُعَلِّمُهُم أنَّ المَسيحيينَ كُفَّار؛ فيقومونَ بِقَتْلِهِم لِكُفْرِهِم، وكيفَ ذلك وَهُم يُكَفِّرُونَ المُسلمينَ, وَيُكَفِّرُونَ مَنْ يقولُ بِتِلْكَ المَقولةِ مِن المُسلمين!!

إنَّ المَقصودَ الأَوَّلَ هو مِصْر قِيَادَةً وَشَعْبًا وَشُرْطَةً وَجَيْشًا-, المقصودُ هو الدولةُ, والتكفيريونَ يُكَفِّرُونَ المُسلمينَ أَشَدَّ مِن تكفيرِهِم للمَسيحيين.

فهل يَعْلَمُ الذينَ يَمْلَؤُونَ الدنيا في الفضائياتِ ثَرْثَرَةً وَكَلَامًا, و يَمْلَؤُونَ الأوراقَ في الصُّحُفِ والمَجَلَّاتِ مِدَادًا وَسَوَادًا, وَيَزْحَمُونَ العَالَمَ الافتراضيَّ أكاذيبَ وبُهْتَانًا؛ أنَّ اللَّعِبَ بالعقائدِ سَكْبٌ للنِّفْطِ على النَّارِ؟!

لأنَّ المسيحيَّ لا يكونُ مَسيحيًّا إلَّا إذا آمنَ بـ«عقائدِ التَّثْليثِ والخَلَاصِ والصَّلْبِ والفِدَاءِ», والمسلمُ لا يكونُ مُسْلِمًا إلَّا إذا كانَ بِتِلْكَ العقائدِ كافرًا, ولأنَّ المُسْلِمَ لا يكونُ مُسْلِمًا إلَّا إذا آمنَ بـ«الرِّسَالَةِ والرَّسُولِ والقُرآنِ», والمسيحيُّ لا يكونُ مَسيحيًّا إلَّا إذا كان بِتِلْكَ العَقَائِدِ كَافِرًا.

وَهَل سَمِعَ أولئك المُحَرِّضُونَ على الفِتْنَةِ والمُؤجِّجُونَ لنِيرَانِهَا نصيحةَ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر عندما قالَ: «أَنَا أَنْصَحُ الشَّبَابَ وأَنْصَحُ النَّاسَ ميلعبوش على الكلمة دي.

 

قال المُذيعُ: مِن الجَانِبيْن؟

قال الشيخُ: مِن الجَانِبيْن, طَبْعًا مِن الجَانِبيْن.

قال: وهذا الكلامُ قُلْتُهُ في مُحاضرةٍ مع قِسِّيسٍ في روما -قِسِّيسٍ عربيٍّ مِن الشرقِ يعني-، قال: إِنَّكُم أَنْتُم بِتتهمونَنَا بِالكُفْرِ.

قُلتُ له: بِمَاذَا تُسَمِّيني؟

سَكَتَ قَلِيلًا وقال: أنتَ مُؤمنٌ!!

قُلْتُ: أنا مؤمنٌ مُمكِنٌ؛ ولَكِن بِمَاذَا تُسَمِّي مَوْقِفِي مِن التَّثْلِيثِ؟

سَكَتَ؛ لأنَّهُ لا يَسَعُهُ إلَّا أنْ يقولَ: أنتَ كافرٌ مِن وِجْهَةِ نَظري.

قال الشيخُ: لو شيلنا الحدودَ الفاصلةَ والمَانِعَةَ بينَ الأديان؛ هنبقى أمامَ عقيدةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ، ودا مش هيحصل.

وفي نصيحةِ الشيخِ قالَ: إذا قُلْنَا عايزين يقولوا إنَّ المَسيحيين -كما يَشْغَبُ كثيرٌ مِن الشبابِ الذي لا يفهمُ الإسلامَ- أنهم يُسَمَّوْنَ كُفَّارًا لأنَّهُم كَفَرُوا بالإسلامِ...

قال الشيخُ: نعم؛ لأنهم لا يُؤمِنُونَ بِمُحَمَّدٍ ، ولا بالقُرآنِ, أَعْتَبِرُهُم مِن هذه الناحيةِ كُفَّارًا بالنسبةِ لي, لَكِنْ في نَفْسِ الشَّيءِ بِمَا أنني مُسْلِمٌ لا أؤمنُ بالتثليثِ, ولا أؤمنُ بالمسيحيةِ كما هي الآن؛ أنا أُعْتَبَرُ كَافِرًا بالنسبةِ لَهُم.

قال الشيخُ: خلينا نتكلمُ بِصَرَاحَة, نحن في نظرِ المؤسساتِ الدينيةِ الغربيةِ الكُبرى كُفَّار، بل قُل لي: الحروب الصَّليبيَّة يعني حينما رُوِّجَت هناك في الغربِ- رُوِّجَت لإنقاذِ قَبْرِ المسيحِ عليه السلام- أو مَرْقَدِهِ أو مَوْلِدِهِ يعني تحريرَ بيتِ المَقْدس- مِن أيدي الكُفَّارِ المُسلمينَ!!

قالَ: تَجِدُ كلمةَ الكُفَّارَ وكلمةَ المُسلمينَ جنب بعض!!

إذن يعني أنا أنصحُ الشبابَ، وأنصحُ النَّاسَ ميلعبوش على الكلمةِ دي». انتهى كلامُهُ.

وَمَعْلُومٌ أنَّ الكَنِيسَةَ الكاثوليكيةَ تُكَفِّرُ الكنيسةَ الأُرثوذوكسيةَ, والكنيسةَ الإنجيليَّةَ البروتستانتيةَ تُكَفِّرُ الكنيستيْن, وأنا بِدَوْرِي أَنْصَحُ النَّافِخِينَ في النَّارِ والنَّهَازِينَ للفُرَصِ -ولو على الأشلاءِ والدِّمَاءِ, ولو خَوْضًا في بَحْرٍ مِن الدُّمُوعِ والعَبَرَاتِ!!- أَنْصَحُهُم أنَّ يَكُفُّوا مِن اللَّعِبِ على هذه الكلماتِ, والتحريشِ بينَ النَّاسِ بَعْضِهِم بَعْضًا, والتحريشِ بينَ النَّاسِ والسُّلُطَاتِ؛ لأنَّ هذا لا يَزِيدُ النَّارَ إلَّا اشْتِعَالًا.

هؤلاء إِنَّمَا يَرَوْنَ أَنَّهُم في فرصةٍ تاريخيةٍ بالنسبةِ لَهُم بالنسبةِ لليبراليةِ والعلمانيةِ وما أَشْبَهَ-، فإنْ لم يَنْتَهِزُوهَا الآن -ولو على أنقاضِ هذا الوطنِ, ولو خَاضُوا إلى مَأرِبِهِم أَنْهَارًا مِن الدِّمَاءِ- فإنَّهَا لن تعودَ إليهم أبدًا!!

لذلك تَجِدُ هذا التأجيجَ والخَبْطَ في ثوابتِ الدِّينِ, مِمَّا يجعلُ المُتَطَرِّفَ يزدادُ تَطَرُّفًا, ويجعلُ المُحايدَ ينتقلُ إلى مُعَسْكَرِ المُتطرفين, ويجعلُ التكفيرَ سَاريًا في الأُمَّةِ سريانَ النَّارِ مِن الهَشِيمِ؛ لأنهم يسمعونَ في الصباحِ وفي المساءِ هَرْطَقَةً وَزَنْدَقَةً وَكُفْرًا باللهِ رَبِّ العَالَمِين!!

وهذا لا يَرْضَاهُ الشَّعْبُ المُسلمُ, لا يَقْبَلُهُ ولا يُحِبُّ أنْ يَسْمَعَهُ, ولا يُحِبُّ أنْ يَرَى أَبْنَاءَهُ يُتَخَطَّفُونَ في الطُّرُقَاتِ إلى الإلحادِ تَارَةً, وإلى الشَّكِّ تَارَةً, وإلى الفجورِ والمُجُونِ تَارَةً!!

اتَّقُوا اللهَ في هذا البلدِ.

ثُمَّ إنَّ الذينَ يُحَلِّلُونَ وَيَتفلسفونَ ويُؤجِّجُونَ نيرانَ الفتنةِ لا يستطيعونَ أنْ يُنَاظِرُوا وَاحِدًا مِن التكفيريين!! لا يُنَاظِرُ التكفيريينَ ولا يَقْمَعُ حُجَّتَهُم بالحُجَّةِ والدليلِ إلَّا مَن يُحَرِّشُونَ السُّلُطَاتِ عَليهم, وجهودُهُم في محاربةِ التكفيرِ معلومةً ورائعةً, وهؤلاء جهودُهُم في سَحْبِ النَّاسِ إلى التكفيرِ واضحةٌ ودَامِغَةٌ؛ فَليَتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ في البلدِ, فَليَتَّقُوا اللهَ رَبَّ العَالَمِينَ في الإسلامِ!! لا؛ هُم لا يُبَالُونَ بذلك!! فَليَتَّقُوا اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى- في الأنَاسيِّ, في الحيواناتِ, في هذا الشَّعْبِ المُستكينِ الضَّارِعِ إلى رَبِّهِ أنْ يُنَجِّيَهُ مِن الفِتَنِ, وأنْ يَرْزَقَهُ اللُّقْمَةَ الحَلَالَ؛ هذا أَمَلُهُ، فَليَبْتَعِدُوا عن هذا التَّحريشِ.

فَمَا الذي يُفِيدُهُ العَاميُّ مِن عِلْمِهِ بأنَّ البُخاريَّ كان كذا وكذا, وأنَّ الأئمةَ الأربعةَ كانوا كذا وكذا, وأنَّ الصَّحَابَةَ سَالَت بينهُم أنهارُ الدِّمَاءِ؟!!

هذا يُنَاقَشُ لو كانت عليه حُجَّةٌ بين المُتخصصين, وأَمَّا أنْ يُذَاعَ هذا، فهذه هي الفِتْنَةُ بِعَيْنِهَا, ويَجِبُ على ولاةِ الأمرِ أنْ يَكُفُّوا أولئك عن إثارةِ الفتنِ في البلادِ, وإلَّا فالعاقبةُ لن تَسُرَّ أَحَدًا بحالٍ -نسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ-.

فأنصحُ النافخينَ في النارِ والنَّهازينَ للفُرَصِ -ولو على الأشلاءِ والدِّمَاءِ, ولو خَوْضًا في بحرٍ مِن الدموعِ والعَبَرَاتِ!!- أنْ يَكُفُّوا عن اللعبِ على هذه الكلمات, وأنْ يَكُفُّوا عَن كلامِهِم في الدينِ والسياسةِ والتحليلِ والتَّحريشِ, وَلْيَعْلَمُوا جَمِيعًا أَنَّهُم يُخَالِفُونَ المِهَنِيَّةَ الحَقَّةَ التِي يَدِينُونَ بِهَا؛ لِأَنَّ مُقَدِّمَ البَرَامِج لَيْسَ لَهُ دَخْلٌ فِي مَا يُقَال!! فأنصحُ النَّافِخِينَ في النَّارِ والنَّهَازينَ للفُرَصِ -ولو على الأشلاءِ والدِّمَاءِ, وَلَو خَوْضًا في بحرٍ مِن الدموعِ والعَبَرَاتِ!!- أنْ يَكُفُّوا عَن اللَّعِبِ على هذه الكلماتِ, وأنْ يَكُفُّوا عن كلامِهِم في الدينِ والسياسةِ والتحليلِ والتحريشِ, ولَيَعْلَمُوا جَمِيعًا أنهم يُخَالِفُونَ المِهنيَّةَ الحَقَّةَ التي يَدِينونَ بِهَا؛ لأنَّ مُقَدِّمَ البرامج لَيْسَ له دَخْلٌ في مَا يُقَالُ!!

هُوَ إِنَّمَا يُوَجِّهُ البَرنَامَج إِلَى مَا عُقِدَ الكَلامُ عَلَيهِ, أَمَّا أَنْ يَصِيرَ هُوَ مُحَلِّلًا وَمُنَظِّرًا, أَمَّا أَنْ يَصِيرَ هُوَ مُفْتِيًا وَمُتَكَلِّمًا فِي الدِّينِ وَفِي غَيرِ الدِّين؛ فَهَذَا لَيْسَ مِنَ المِهَنِيَّةِ فِي شَيءٍ!!

نَاقِلُ الأَخْبَارِ فِي الإِذَاعَةِ المَسْمُوعَةِ أَوْ المَرْئِيَّةِ أَوْ حَتَّى فِي الصُّحُفِ السَّيَّارَةِ يَنْبَغِي أَنْ يُطَالَبَ بِشَيْءٍ وَاحِد؛ بِالصِّدقِ فِي النَّقلِ, أَمَّا رَأْيُهُ هُوَ فَإِنْ أَصَرَّ عَلَى أَنْ يُبْدِيَهُ؛ فَلْيَتَحَوَّل مِنْ مُقَدِّمٍ لِلبَرَامِجِ مِنْ مُذِيعٍ لِلأَنْبَاءِ-, أَنْ يَتَحَوَّلَ مِنْ كَاتِبٍ لِعَمُودٍ أَوْ مَقَالَةٍ يَسْرُدُ فِيهَا أَخبَارًا إِلَى مُحَلِّلٍ؛ وَلَهُ مَقَامٌ آخَر, وَالرَّدُ عَلَيهِ يَكُونُ بِطَرِيقَةٍ آخرَى.

أَمَّا هَذَا الخَلْطُ المَعِيبُ فَهُوَ فِي النِّهَايَةِ يُؤَدِّي إِلَى طَرِيقٍ مَسْدُودٍ, إِلَى عَاقِبَةٍ وَبِيلَةٍ نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالعَافِيَةَ-.

ولا أَجِدُ مَا أقولُهُ اليوم إلا ما قُلتُهُ قبلَ سنواتٍ بعدَ أحداثِ الإسكندرية، فأقولُ اليومَ مَا قُلْتُهُ آنَ ذَاكَ:

قد عَلِمَ الناسُ كلُّهُم مِن قَاصٍ وَدَانٍ ومُؤمنٍ وكافِرٍ مَا وَقَعَ مِن «أحداثِ التفجيرِ والتدميرِ للكنيسةِ البُطرسيةِ», وهذا التفجيرُ هَتْكٌ لحُرمَاتِ الإسلامِ المعلومةِ منه بالضرورةِ، هَتْكٌ لحُرمَةِ الأَنْفُسِ المعصومةِ، وَهَتْكٌ لحُرمةِ الأموالِ، وَهَتْكٌ لحُرُمَاتِ الأمنِ والاستقرارِ وحياةِ النَّاسِ الآمنينَ المُطمئنينَ في مَسَاكِنِهِم ومَعَايشِهِم، وغَدُوُّهِم وَرَوَاحِهِم، وَهَتْكٌ للمصالحِ العامةِ التي لا غِنَى للناسِ في حياتِهِم عنها، وما أَبْشَعَ وأعظمَ جريمةَ مَن تجرأ على حُرماتِ الله، وظلمَ عبادَهُ، وأخافَ المسلمين والمُقيمينَ بينهم، فويلٌ له ثم ويلٌ له مِن عذابِ اللهِ ونِقمتهِ ومن دعوةٍ تُحيطُ به، ونسألُ اللهَ أنْ يكشفَ سِتْرَهُ وأنْ يفضحَ أَمْرَهُ.

إنَّ النَّفْسَ المَعصومةَ في حُكمِ شريعةِ الإسلامِ هي كلُّ مُسلمٍ وكلُّ مَن بينَهُ وبين المسلمين أمَان، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء:93].

وَقالَ سبحانهُ في حَقِّ غيرِ المسلمِ في حُكم قَتْلِهِ خَطَأً لا عَمْدًا: ﴿وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَىٰ أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ [النساء:92].

فإذا كان غيرُ المسلمِ الذِي لَهُ أَمَانٌ؛ إِذَا قُتِلَ خَطَأً؛ فِيهِ الدِّيَةُ وَالكَفَّارَةُ، فَكَيْفَ إِذَا قُتِلَ عَمْدًا؟!

إِنَّ الجَرِيمَةَ تَكُونُ أَعظَمُ، وَإِنَّ الإِثْمَ يَكُونُ أَكْبَر، وَقَد صَحَّ عَن رَسُولِ اللهِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو -رضي الله عنهما-  الذِي أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ فِي «الصَّحِيحِ»: «مَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائحَةَ الجَنَّة».

فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِمُسْتَأْمَنٍ بِأَذًى؛ فَضْلًا عَنْ قَتْلِهِ فِي مِثلِ هَذِهِ الجَرِيمَةِ الكَبِيرَةِ النَّكْرَاء، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ لِمَنْ قَتَلَ مُعَاهَدًا، وَهُوَ كَبِيرَةٌ مِنَ الكَبَائرِ المُتَوَعَّدِ عَلَيْهَا بِعَدَمِ دُخُولِ القَاتِلِ الجَنَّة نَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الخِذْلَان-.

وَهَذَا العَمَلُ الإِجرَامِيُّ يَتَضَمَّنُ أَنواعًا مِنَ المُحَرَّمَاتِ فِي الإِسْلَامِ بِالضَّرُورَةِ:

مِنْ غَدْرٍ وَخِيَانةٍ, وَبَغْيٍ وَعُدْوَانٍ, وَإِجْرَامٍ آثِمٍ, وَتَرْوِيعٍ لِلمُسْلِمِينَ وَغَيْرِهِم، وَكُلُّ هَذِهِ قَبَائِحُ مُنْكَرَة؛ يَأْبَاهَا وَيُبْغِضُهَا اللَّه، وَيَأبَاهَا وَيُبْغِضُهَا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيَأْبَاهَا وَيُبْغِضُهَا المُؤمِنُون.

فَالإِسْلَامُ بَرِيءٌ مِنْ هَذَا العَمَلِ وَمِثْلِهِ، وَهَكَذَا كُلُّ مُسْلِمٍ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِر هُوَ مِنْه بَرِيءٌ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصَرُّفٌ مِنْ صَاحِبِ فِكْرٍ مُنْحَرِفٍ وَعَقِيدَةٍ ضَالَّةٍ فَاسِدَةٍ مُفْسِدَةٍ، وَيَحمِلُ إِثْمَه، وَيَحمِلُ جُرْمَه، وَلَا يُحتَسَبُ عَلَى الإِسْلَامِ عَمَلُهُ وَلَا عَلَى المُسلِمِين المُهْتَدِينَ بِهَدْيِ الإِسْلَامِ؛ المُعْتَصِمِينَ بِالكِتَابِ وَالسُّنَّة؛ المُتَمَسِّكِينَ بِحَبْلِ اللهِ المَتِين؛ وإنما هو محضُ إفسادٍ وإجرامٍ تأباهُ الشريعةُ والفِطْرَةُ، ولهذا جاءت نصوصُ الشريعةِ قاطعةً بِتَحْرِيمهِ؛ مُحذرِّةً مِن مُصَاحَبَةِ أَهْلِهِ.

قال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ* وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [البقرة:204-206].

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ۚ ذَٰلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ۖ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [المائدة: 33].

نسألُ اللهَ سبحانهُ بأسمائِهِ الحُسنى وصِفَاتِهِ العُلَى أَنْ يكشفَ سِتْرَ هؤلاء الفَعَلَةِ المُعتدين، وأنْ يُمَكِّنَ منهم, وأنْ يكُفَّ البأسَ عن هذه البلادِ وعن سائرِ بلادِ المُسلمين.

 فهذهِ الأمورُ مِن التخريبِ الذي نَهَى عنه الإسلامِ الحنيف، وهي تجرُّ على المسلمينَ أنفسهم شرًّا كثيرًا، حيثُ إنَّ الكُفارَ يأخذونَها حُجةً للانقضاضِ على المسلمين وتدميرِ بلادِهِم، وتشويهِ عقيدتِهِم, وهذا الذي اتخذه الكُفارُ سببًا لهدمِ الإسلام؛ لأنهم يَصِفُونَ الإسلامَ بأنه دِينُ إرهابٍ وقَتْلٍ، وقد أخذوا ذلك مِن مِثْلِ هذه التصرفات ومِن غيرِها ومِن لا شيء!!

واللهُ -جلَّ وعلا- أمرَ بجهادِ الكفَّار تحتَ ولايةٍ مِن ولاياتِ المُسلمين، أمَّا التفجيرُ والتدميرُ والقتلُ والتخريب, والتفزيعُ والترويعُ؛ فهذا مما يَنهى عنه الإسلام؛ لأنه يُسَبِّبُ شرًا على المسلمين قبلَ غيرِهم، ولأنه مَضرَّةٌ محضةٌ بدونِ فائدة، ولا شكَّ أنَّ هذه الحوادث؛ حوادثُ فِتَنٍ مُنذِرَةٍ بشرٍّ كبير، وهي نوعٌ من الإجرامِ المَقيت الذي لا هدفَ له فيما يبدو إلا أن يُرْبِكَ السلطات, وأنْ يَهدمَ الدولةَ دون تفسيرٍ لمَن يقعُ عليه الأذى، وهو بهذا يُعَدُّ مِن أعمالِ التخريب، ومِن الإفسادِ في الأرضِ والعدوان، واللهُ جلَّ وعلا- حرَّمَ الاعتداء على الأنفُسِ المعصومةِ والأموالِ المُحترمةِ، وحرَّمَ الظُّلمَ على نفسهِ جلَّ وعلا-، وجَعَلَهُ بين عبادهِ مُحَرَّمًا، وَنَهَاهُم تعالى أنْ يتظالموا.

فهذه الجرائمُ المتنوعةُ التي أصَبْحَت لا هَدَفَ لفَاعِلِيهَا إلَّا أنْ يُوقِعوها، وإلا أنْ يُنزِلوا الرُّعبَ  فيمن يكونون في مُحيطِهَا ومَن خَلْفَ مُحيطِهَا، ومِن أجلِ أنْ يُرْبِكُوا الدولةَ, وأنْ يُسْقِطُوا نظامَهَا؛ هذا مِن الضلالِ المُبين والإثمِ العظيم.

والواجبُ على المسلمين أنْ يتعاونوا فيما بينَهُم؛ لأنَّ الأمنَ مِن أَجَلِّ النِّعم، كما أنَّ فَقْدَهُ مِن أعظمِ أنواعِ العذاب، فإنَّ اللهَ جلَّ وعلا- لمَّا ذكرَ أهلَ القريةِ التي كان يَأتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِن كلِّ مكان ولم تَشْكُر اللهَ جلَّ وعلا-؛ أذاقها اللهُ لِباسَ الجوعِ والخَوف.

قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل:112].

والواجبُ على مَن يُفكِّرُ في هذا العملِ؛ أنْ يَنْظُرَ في العواقبِ، ولِمَصلحةِ مَن يعملُ هذا العمل؟

ومَن الذي يستفيدُ من مِثلِ هذه الحوادث؟

فإنه لا يستفيدُ منها إلَّا أعداءُ الإسلام.

هل هذه الحوادثُ تُحقِّقُ أَمْنًا أو تزيدُ العَيْشَ رَغَدًا أو ترتفعُ بها كِفَّةُ الدِّينِ والتَّدَيُّن؟!

أَمْ أنَّ هذه الحوادثَ مَدعاةٌ لأن يُلصقَ بالمُتدينين وبالدِّين تُهَمٌ؛ هم منها بُراء، وكلُّ ذلك بسببِ رعُونةِ هؤلاء المُقْدِمينَ على هذه المُنكرات وحماقتِهِم واستشراءِ شَرِّهم!!

إنَّ احترامَ دماءِ الناس واحترامَ أموالِهم أمرٌ قرَّرَتْهُ شريعةُ الإسلام، وحُرْمةُ الدماء والأموال مِمَّا اتفقت عليه شرائعُ اللهِ كلُّها، وأكملُها شريعةُ نبيِّنَا مُحمد .

وقد جاءَ في الكتابِ والسُّنَّةِ تعظيمُ أَمْرِ القتلِ، وبيانُ خَطَرِهِ في الشرائعِ السابقة:

قال اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عن أَحَدِ ابني آدم: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [المائدة: 30].

وقالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا-: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

وقال : «لا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ -أي: نصيب- مِنْ دَمِهَا؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ». رواه البخاري ومسلم.

وقالَ اللهُ -جَلَّ وَعَلَا- عن رسولِهِ وكليمِهِ موسى أنه قال للخَضِر: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا﴾ [الكهف: 74].

وقالَ اللهُ تعالى عنه: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَىٰ فَقَضَىٰ عَلَيْهِ ۖ قَالَ هَٰذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُّضِلٌّ مُّبِينٌ * قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [القصص: 15-16].

وقالَ في «صحيحِ مُسلم»: عن سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَأَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ، سَمِعْتُ أَبِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ  يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: «إِنَّ الْفِتْنَةَ تَجِيءُ مِنْ هَاهُنَا، وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ مِنْ حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنَا الشَّيْطَانِ، وَأَنْتُمْ يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ، وَإِنَّمَا قَتَلَ مُوسَى الَّذِي قَتَلَ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ خَطَأً، فَقَالَ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- لَهُ: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ [طه: 40]».

وقولُ سالمِ بن عبد الله: «مَا أَسْأَلَكُمْ عَنِ الصَّغِيرَةِ، وَمَا أَرْكَبَكُمْ لِلْكَبِيرَةِ» يشيرُ بذلك إلى ما جاء عن أبيِهِ في «صحيحِ البخاري» أنه سألَهُ رَجُلٌ مِن أهلِ العراقِ عن دَمِ البَعُوضِ؛ فقال: «انظروا إلى هذا، يَسْأَلُنِي عَن دَمِ البَعُوضِ وَقَد قَتَلُوا ابنَ النَّبيِّ ، وسَمِعْتُ النَّبيِّ يقول: «هما - يعني الحسن والحسين رضي الله عنهما - رَيْحَانَتَاي مِن الدُّنْيَا».

وقالَ تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ [البقرة: 84].

 وقالَ تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: 45].

بل إنَّ اللهَ تبارك وتعالى- حَرَّمَ تحريمًا أكيدًا أنْ يَقْتُلَ الإنسانُ نَفْسَهُ, وقد جاءَ مِن ذلك في كتابِ اللهِ تبارك وتعالى- وفي سُنَّةِ نبيِّهِ ما هو كافٍ شَافٍ.

قال الله جل وعلا-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ [النساء: 29-30].

وقال رسولُ اللهِ : «مَن قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيءٍ في الدنيا عُذِّبَ به يومَ القيامة». متفقٌ عليه.

وعن ثابت بن الضَّحَّاك -رضي الله عنه-، وقد رَوَى البخاري ومُسلمٌ أيضًا عن أبي هريرة-رضي الله عنه-: أنَّ رسولَ اللهِ قال: «مَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ يَتَرَدَّى فيه خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ تَحَسَّى سُمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَسُمُّهُ فِي يَدِهِ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا، وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَجَأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا».

وعند البُخاريِّ مِن روايةِ أبي هريرة رَضِيَ اللهُ عنه- قال: قالَ النَّبيُّ : «الَّذِي يَخْنُقُ نَفْسَهُ يَخْنُقُهَا فِي النَّارِ، وَالَّذِي يَطْعُنُهَا يَطْعُنُهَا فِي النَّارِ».

وكذلك مَن فَجَّرَ نَفْسَهُ يُفَجِّرُهَا في النَّارِ, مَن أَدَّى عَمَلُهُ إلى شيءٍ يُذْهِبُ حياتهُ؛ فهو بذلك يفعلُهُ في النَّارِ كما قالَ المُختارُ ﷺ.

وفي هذا الحديثِ في «مُسْنَدِ الإمامِ أحمد» وغيرِهِ زيادةٌ: «وَالَّذِي يَتَقَحَّمُ فِيهَا يَتَقَحَّمُ فِي النَّارِ»

وفي «صحيحي البُخاري ومسلم» عن الحسن قال: حدَّثنا جُندبٌ -رضي الله عنه- في هذا المسجدِ فما نَسِينَا ومَا نخافُ أنْ نَنْسَى، وما نخافُ أنْ يَكذِبَ جُندبٌ على النَّبيِّ قال: «كَانَ بِرَجُلٍ جِرَاحٌ فَقَتَلَ نَفْسَهُ, فَقَالَ اللهُ: بَدَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ اْلجَنَّةَ».

وروى ابن حبان في «صحيحه» عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي الله عنه-: «أَنَّ رَجُلًا كَانَتْ بِهِ جِرَاحَةٌ فَأَتَى قَرَنًا لَهُ، فَأَخَذَ مِشْقَصًا فَذَبَحَ بِهِ نَفْسَهُ، فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ». وهو صحيح لغيره.

يقولُ ربُّنَا جَلَّ وَعَلَا-: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ وهذا يشملُ قَتْلَ الإنسانِ نَفْسه وقَتْلَهُ لغيرِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ, فلا يجوزُ للإنسانِ أنْ يقتُلَ نَفْسَهُ, بل عليه أنْ يُحَافِظَ على نَفْسِهِ غايةَ المُحافظةِ, ولا يَمْنَعُ هذا أنه يُجَاهِدُ في سبيلِ اللهِ ويُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ ولو تَعَرَّضَ للقَتْلِ والشهادة, أمَّا أنْ يَتَعَمَّدَ قَتْلَ نَفْسِهِ فهذا لا يجوزُ.

وفي عَهْدِ النبيِّ في بعضِ الغَزَوَاتِ كانَ أَحَدُ الشُّجْعَانِ يُقَاتِلُ في سبيلِ اللهِ مع الرسولِ ﷺ، فَقَالَ النَّاسُ مُثْنِينَ عليه: مَا أَبْلَى مِنَّا أَحَدٌ مِثْل ما أَبْلَى فُلَانٌ, فَقَالَ النبيُّ ﷺ مع ذلك الوَصْفِ: «هُوَ فِي النَّارِ»!!

هذا قَبْلَ أنْ يموتَ, فَصَعُبَ ذلك على الصحابةِ, كيف بِمِثْلِ هذا الرَّجُلِ الذي يُقَاتِلُ ولا يتركُ مِن الكُفَّارِ أَحَدًا إلَّا تَبِعَهُ وقَاتَلَهُ؛ كيف يكونُ في النَّارِ؟!

فَتَبِعَهُ رَجُلٌ مِن الصحابةِ وَرَاقَبَهُ وَتَتَّبَعَهُ، فَجُرِحَ الرَّجُلُ, وفي النهايةِ رَآهُ وَضَعَ غِمْدَ السَّيْفِ على الأرضِ، وَجَعَلَ ذُبَابَةَ السَّيْفِ تَحْتَ ثَدْيِهِ الأَيْسَرَ، ثُمَّ اتَّكَأَ مُتحامِلًا على سَيْفِهِ، فَدَخَلَ السيفُ مِن صَدْرِهِ وَخَرَجَ مِن صَدْرِهِ فَمَاتَ؛ فَقَالَ الصَّحَابيُّ: صَدَقَ رسولُ اللهِ ﷺ, وَعَرَفُوا أنَّ الرسولَ ﷺ لا يَنْطِقُ عن الهَوَى.

لماذا دَخَلَ النَّارَ مع هذا العمل؟! وكان يُجَاهِدُ, لا يَدَعُ شَاذَّةً ولا فَاذَّةً, ولم يُبْلِ أحدٌ مِن الصَّحابةِ ما أَبْلَاهُ؛ وَمَعَ ذلك فَلَمَّا انْتَحَرَ فَلَمَّا قَتَلَ نَفْسَهُ-؛ دَخَلَ النَّارَ -والعِياذُ بالعزيزِ الغَفَّار-, قَتَلَ نَفْسَهُ وَلَم يَصْبِر!!

فلا يجوزُ للإنسانِ أنْ يقتلَ نفسَهُ بحُجَّةِ الجِهَادِ، بحُجَّةِ البحثِ عن الشهادةِ، بحُجَّةِ أنها مِن العملياتِ الاستشهاديةِ، بَل هي عملياتٌ انتحاريةٌ، ولا تجوزُ في أيِّ دينٍ، هَذَا خَطَأٌ كبيرٌ، والذي يَمْلكُ تفنيدَ الأدلةِ مِن الإثْخَانِ في العدوِّ والتُّرسِ وما أَشْبَه، الذي يملكُ الجوابَ عن هذه الأمور هُم الذين يَحْمِلُ عليهم مَن يحملُ الحملةَ الشَّعواءَ، وفي الوقتِ نفسِهِ لا يستطيعونَ جوابًا عن هذه الشُّبُهات.

فخَلُّوا عِبَادَ اللهِ عن أَهْلِ العِلمِ حتى يتكلموا مع هؤلاء، فإنَّ المعركةَ معركةُ عقيدة، لا يُفْلِحُ في خَوْضِهَا الزائغُونَ، ولا المُنحرفونَ، ولا المُتحلِّلُونَ، ولا الذين يُحاربونَ الدِّين، ولا الذين ينسِفُونَ تُراثَ المسلمين، هؤلاء يَزيدونَ النارَ اشتعالًا؛ لأنَّ الشَّابَ إذا رأى مَن يُهَرْطِقُ في دينِ اللهِ ويُجَدِّفُ فيه، فإنهُ يُكَفِّرُهُ، ثُمَّ كما هي القاعدةُ عند التكفيريين: يَسْحَبُ ذَيْلَ التكفيرِ فيقول: إنَّ السُّلطةَ التي لا تَمْنَعُ هذا الزنديقَ المُهَرْطِقَ المُجَدِّفَ الذي يَحْمِلُ على دينِ اللهِ، وَيَنْسِفُ ما هو معلومٌ مِن الدين بالضرورة وَصْفُهَا كوَصْفِهِ، ثم يقول: والمجتمعُ الذي يَسْكُتُ على هذا كُلِّهِ وَصْفُهُ كوصفِ السُّلطةِ ووَصْفِ المُهَرِطِقِ!! ومِن هنا انسحبَ ذَيْلُ التكفيرِ على المجتمعِ كُلِّهِ!!

اتقوا اللهَ، اتَّقُوا الله في هذا البلد.

اتَّقُوا اللهَ في مستقبلِ الإسلامِ فيه.

اتَّقوا الله في الدِّمَاءِ!!

إنَّا للهِ وإنَّا إليه رَاجعون.

يقولُ المأمونُ ﷺ: «لا يزالُ المؤمنُ في فُسْحَةٍ من دينهِ ما لا يُصِب دَمًا حَرَامًا». أخرجَهُ البخاريُّ.

فاحترامُ الأموالِ والدماءِ أمرٌ مطلوبٌ شرعًا، والسعيُ في زعزعةِ أَمْنِ الأُمَّةِ؛ إنما يَصْدُرُ مِن أُنَاسٍ فَهِموا الإسلامَ على غيرِ فَهمِهِ الشرعيِّ، وَجَاءَهُم الشيطانُ وزيَّنَ لهم الباطلَ؛ فَظَنُّوهُ حَقًّا، وذلك مِن قُصُورِ الإيمانِ والعلمِ، قالَ جَلَّ وَعَلَا-: ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ [فاطر: 8].

وَمَا أرادُوهُ إلَّا لِكَيْدِ الأُمَّةِ والنَّيْلِ منها، وزعزعةِ دولةِ الإسلام، ومحبةِ إظهارِ الفوضَى في بلادِ المسلمين، وهؤلاء جَهَلَةٌ خُدِعُوا وغُرِّرَ بهم، وليسَ عندهم مِن العِلمِ ما يَحملُهم على اتِّقاءِ هذه المصائبِ العظيمة، وأعداءُ الأُمَّةِ سَاعُونَ في الإضرارِ بالأُمَّةِ بكلِّ ما أُوتُوا؛ بالمكائدِ مِن قِيلَ وقالَ وأراجِيفَ وإشَاعاتٍ باطلةٍ، ومِن إيحاءٍ لضِعَافِ البصائِرِ؛ ليَستغلُّوهم في باطلِهم وليجعلوهم سببًا لحصولِ ما يحصُلُ مِن النَّكَبَاتِ للأُمَّةِ.

فاليقظةُ والانتباهُ واجبان لمعرفةِ مُخططاتِ أعداءِ الإسلام، وليَكُن المسلمونَ على حَذَرٍ من هذه الأمور، فإنَّ أعداءَ اللهِ لا يُرِيدُونَ لَنَا نُصْحًا، إنما يُحِبُّونَ أنْ يُوقِعُوا بيننا العداوةَ والبغضاءَ، فلْيَحْذَرِ المسلمُ أنْ يكونَ مَطِيَّةً لأعدائِهِ؛ يُوَجِّهُهُ الأعداءُ كيف شَاءُوا، وليَكُن على ثقةٍ بدينهِ، وليَسْتَقِم على الخير، وليتعاون المسلمون جميعًا على البرِّ والتقوى، وليَحْذَر المسلمُ من أن يكونَ عَوْنًا لكلِّ مجرمٍ ولكلِّ مُفْسِدٍ، فإنها تُخِلُّ بالأمانةِ الشرعية، فَأَمْنُ هذا البلدِ عمومًا مسئوليةُ كلِّ فردٍ مِنَّا، حَمَى اللهُ بلادَ المسلمين مِن كلِّ سوءٍ وجنَّبَهَا المَهَالِكَ، وَكَفَاهَا شَرَّ الأعداءِ، وبَصَّرَ الأُمَّةَ في دينِهَا.

الشرعُ والعقلُ والفطرةُ؛ كلُّ ذَلِكَ رَافِضٌ للأعمالِ الإجراميةِ؛ رَافِضٌ للتدميرِ وللتفجيرِ وللتخريبِ ولإشاعةِ الفوضى في البلادِ.

*فالنصوصُ القرآنية والنصوصُ النَّبوِيَّة: دالةٌ على وجوبِ احترامِ المسلمينَ في دمائِهم وأموالِهم، وكذلك الذين بَيْنَهُم وبينَ المسلمين عَهْدٌ وأمان، الذين يُقيمونَ بينَهُم؛ فأموالُهُم مُحَرَّمَةٌ، ودماؤهُم كذلك وأعراضُهُم، احترامُ هؤلاء المُعَاهَدِينَ والمُستأمَنين مِن غيرِ المُسلمين دَلَّت عليه نصوصُ الكتابِ والسُّنَّةِ، وهو مِن محاسنِ الدينِ الإسلاميِّ العظيم، وهو مِن الوفاءِ بالعهد: ﴿إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

*وأمَّا العقلُ: فَقَد دَلَّ على رفضِ ومَقْتِ الأعمال الإجرامية؛ لأنَّ العاقل لن يتصرفَ أبدًا في شيءٍ محرَّم؛ لأنَّه يعلمُ سوءَ النتيجة والعاقبة، يَعلمُ الإنسانُ العاقلُ أنه لا يجوزُ له أنْ يتصرَّفَ في شيءٍ مُبَاحٍ حتى يتبينَ له ما نتيجتُهُ، وماذا يترتبُ عليه، فكيف إذا كان ذلك الشيءُ مُحرَّمًا؟!

فهذه الفَعْلةُ الشَّنِيعَةُ لا شَكَّ أنَّها يترتبُ عليها مِن المَفَاسِدِ ما لا يَخفى.

*وأما مخالفتُهَا للفِطْرَةِ: فإنَّ كلَّ ذي فطرةٍ سليمةٍ يَكرهُ العدوان على غيرِهِ، ويرَاهُ مِن المُنْكَرِ.

ما ذنبُ المُصابين بهذا الحادثِ؟!!

ما ذنبُ الآمنين أن يُصابوا بهذا الحادثِ المؤلمِ العظيم؟!!

ما ذنبُ المصابين من المُعاهَدِين والمُستأمَنين وغيرِهِم؟!!

ما ذَنْبُ الأطفال؟!!

ما ذَنْبُ الأشياخ؟!!

ما ذَنْبُ العجائز؟!!

لماذا يقتلونَ النِّسَاءَ ويقتلونَ الصِّبيان ويقتلونَ المَرْضَى والشيوخ؟!!

لماذا يُدِّمرون ويُخَرِّبون، ويَعيثونَ في الأرضِ فسادًا؟!!

كلُّ هذا لا يجوزُ في حالِ الحربِ والقتالِ، فكيف في غيرِ هذه الحالِ؟!!

الإسلامُ يُقرِّرُ أنه في حالِ الحربِ لا يُقْتَلُ الأَعْمَى، والزَّمْنَى، ولا الرَّاهِب، ولا العَبْد، ولا يُقتلُ الفلاحون ولا الصُّنَّاع:

عن ابن عباسٍ -رضي الله عنهما- في قوله تعالي: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ﴾ [البقرة: 190].

وَلاَ تَعْتَدُواْ: يقول: «لا تَقْتُلُوا النساءَ والصِّبيان والشيخَ الكبير, ولا يُقْتَلُ الزَّمْنَى ولا الأَعْمَى ولا الرَّاهِب ولا يُقتَلُ العبدُ»، وبه قالَ الشَّافِعيُّ لقَوْلِ النبيِّ ﷺ: «أَدْرِكُوا خَالِدًا فَمُرُوهُ أَلَّا يَقْتُلَ ذُريَّةً وَلَا عَسِيفًا -وَهُم العبيدُ-».

 قال مالكٌ: «لا يُقْتَلُ النِّسَاءُ والصِّبْيَانُ وَالشَّيْخُ الكبيرُ, والرُّهْبَانُ المَحْبُوسُونَ في الصَّوَامِعِ وَالدَّيَّارَاتِ».

هذا في حربِ الحربِ والجِلادِ، في حالِ القتالِ، فكيف في غيرِ هذه الحالِ؟!!

قال بن قُدامةَ: «إذا ظَفَرَ بِالكُفَّارِ لَم يَجُز قَتْلُ صَبِيٍّ لَم يَبْلُغ بِغَيْرِ خِلافٍ، وَلَا تُقْتَلُ امرأةٌ، وَلَا هَرِمٌ،ولَا شَيْخٌ فَانٍ». وَبذلك قالَ مَالِكٌ وأصحابُ الرَّأْي.

أَمَّا الفَلَّاحُ الذي لا يُقَاتِلُ ومِثْلُهُ أصحابُ الصنائِعِ، هذا كلُّهُ في حالِ القتالِ والمعارك، فَيَنْبَغِي أَلَّا يُقْتَلَ لِمَا رَوَى عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-  وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: «اتَّقوا اللهَ في الفَلَّاحِينَ الذينَ لا يُنَاصبُونَكُم الحَرْبَ».

هذا كلُّهُ في القتالِ مع الكُفَّارِ في الحربِ، فكيف بالقتالِ مع المُستأمَنِين؟!! بل ومعَ المُسلمينَ حيثُ لا حربَ ولا معركة!!

إنَّ النبيَّ بَيَّنَ حُرْمةَ الاعتداءِ على دماءِ المُستأمَنينَ والمُعاهَدِينَ مِن غيرِ المُسلمينَ:

فَقَالَ ﷺ: «مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

أَوْرَدَهُ البُخَارِيُّ في «صحيحِهِ».

«مَنْ قَتَلَ نَفْسًا مُعَاهَدًا لَمْ يَرِحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ وَإِنَّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَرْبَعِينَ عَامًا».

«مَن قَتَلَ قَتِيلًا مِن أَهْلِ الذِّمَّةِ لَم يَجِد رِيحَ الجَنَّةِ، وَإِنَّ رِيحهَا لَيُوجدَ مِن مَسِيرَةِ أَرْبعينَ عَامًا».

النبيُّ ﷺ بُعِثَ بدينِ السَّلَامِ، بِدِينِ الرحمةِ، بِالدِّينِ العظيمِ الذي يُؤلِّفُ ويُجَمِّعُ، ولا يُنَفِّرُ ولا يُفَرِّقُ، هو دِينُ الحَقِّ دينُ اللهِ، فَإِذَا مَا جَعَلَهُ أبناؤُهُ بهذه المَثَابَةِ؛ فإلى اللهِ المُشتكى، وهو حسبُنا ونِعمَ الوَكِيل.

وَصَلَّى اللَّـهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وأَصْحَابِهِ أَجْمعِين.

الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّـهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ هُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ مُتَلَازِمَيْنِ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فإنَّ هذا الدينَ العظيم لم يُبح لأحدٍ قطُّ أنْ يعتديَ على أحدٍ ولو في مثقالِ ذرَّةٍ، فإنْ وَقَعَ شيءٌ مِن ذلك؛ ولم يُوَفَّ حقَّهُ في الدنيا؛ فإنما هو القِصاصُ في الآخرةِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى يبعثُ الخلائقَ يومَ القيامةِ ثم يقضي بينها كما قالَ اللهُ تعالى في كتابِهِ وكما قالَ النبيُّ ﷺ في خطابِهِ، يَبْعَثُ اللهُ تَعَالَى الخَلائقَ يومَ القيامةِ، ويقضي ربُّنَا بينَهَا بالحقِّ والعدلِ والقِسطاسِ المستقيمِ، حتى ليَفْصِلَ ربُّكَ بين الشاةِ الجَلْحَاءِ التي لا قرنَ لها والشاةِ القرناءِ التي لها قرْن، فنطَحَت به ضَرْبًا الجلحاءَ ولم يُقْتَل ولم يُقْتَصَّ منها هاهنا، يقتصُّ الله تعالى لها، يقتصُّ مِن القَرْنَاءِ للجَلْحَاءِ كَمَا قالَ رسولُ اللهِ ﷺ، والحديثُ عند مسلمٍ في «الصحيح»، فيُنشئُ للجَلْحَاءِ قرنيْن، فتضرِبُ الأُخرى كما ضَرَبَتْهَا ثم يقولُ: كوني ترابًا، إنهُ العدلُ الذي لا عدلَ فوقَهُ، إنهُ الحقُّ الذي لا حَقَّ بَعْدَهُ.

ولم يُعْلَم أنَّ دِينًا أَهَانَهُ أَهْلُهُ، وَظَلَمَهُ أَبْنَاؤُهُ كالإسلامِ العظيمِ، فما أكثرَ مَا شَوَّهَهُ بعضُ مَن انتمى إليه وانتسبَ إليه ظُلمًا وزورًا وبُهْتَانًا، لا يُعْلَمُ دِينٌ على وَجْهِ الأرضِ فرَّطَ فيه أقوامٌ مِمن ينتسبونَ إليه كهذا الدينِ العظيمِ، كأَنَّمَا يَسْعَونَ جاهدينَ لتشويهِ الدينِ العظيمِ، الذي رَضِيَهُ اللهُ ربُّ العالمينَ لخلقِهِ في أرضِهِ، يُشَوِّهُونَهُ في أعيُنِ المُسلمينَ الجاهلينَ وَغَيْرِ المسلمين.

ما الذي أفادَهُ الإسلامُ مِن أمثالِ هذه الأمور؟!!

لم يُفِد شيئًا، بل وقعَ على الإسلامِ ضررٌ وحَيْفٌ وظُلمٌ، وكذلك على المسلمين، وعلى الكتابِ والسُّنَّةِ، وعلى العلماءِ مِن أتباعِ الكتابِ والسُّنَّةِ، وقعَ الظلمُ، ووقعَ التهارُج والتهارُشُ والتفرُّقُ بينَ المسلمين، وَكُلُّ ذلك بسببِ أفعالِ بعضِ مَن ينتمي إلى الإسلامِ العظيم.

لَيْسَ شَرْطًا أَنْ يَكُونَ ما وَقَعَ مُؤخَّرًا مُؤديًّا إلى ذلك في رَأْيِ العَيْنِ، وَلَكِنْ على المَدَى القريبِ والمَدَى المتوسطِ والمَدَى البعيدِ، بل إنه لائِحٌ ظاهرٌ لكُلِّ عينٍ ناظرةٍ، ولكُلِّ مُقْلَةٍ باصرةٍ، ولكُلِّ بصيرةٍ مُبْصِرَةٍ، صارَ مقرونًا بالمسلمِ وَصْفُ الإرهاب، وهو منه برَاء، هذا دينٌ عَلَّمَ الدنيا السلامَ، عَلَّمَ الدنيا الرَّحمةَ.

إنَّ النبيَّ ﷺ عَلَّمَ الدنيا الرحمةَ حتى بالنَّبَاتِ: «لا تقطعوا شجرةً ولا تَحْرِقُوها»، بل بالجمادِ: «لا تَهدِمُوا بُنيانًا ولا تَنْقُضُوهُ»، لا تُخَرِّبُوا في الأرضِ، عَلَّمَ النبيُّ ﷺ العَالَمَ الرحمةَ، ثُمَّ يَصِيرُ دِينُهُ الحقُّ الذي رَضِيَهُ اللهُ له ولنا وللعالَمِ إلى يومِ الدين مَسْبُوبًا على كلِّ لسانٍ، مَنْعُوتًا بِكُلِّ صفةٍ ذميمةٍ بسببِ أفعالٍ خَرْقَاء وأحداثٍ مُنكرةٍ.

حادثٌ مُنكرٌ لا مُبرر له؛ لا مِن شرعٍ ولا مِن عقلٍ ولا مِن فِطْرةٍ، ومفاسدهُ لا تُعدُّ ولا تُحصى: *فَمِن مفاسدِ هذا العملِ وأمثالِهِ من التفجيرِ والتدميرِ والتخريبِ: إشاعةُ الفوضَى وترويعُ الآمنين وبثُّ الذُّعرِ بين الناس أجمعين في ديارِ المسلمين وفي ديارِ الكافرين، واستعداءُ بعضِهم على بعض.

*ومن مفاسدِهِ: أنه معصيةٌ لله ولرسوله ﷺ، وانتهاكٌ لحرمات الله، وهو تعرُّضٌ للعنةِ اللهِ والملائكة والناس أجمعين، ولا يُقبَل مِن فاعِلهِ صَرْفٌ ولا عدلٌ.

*مِن مَفَاسِدِهِ: تشويهُ سُمعةِ الإسلام والمسلمين؛ فإنَّ أعداءَ الإسلامِ يستغلُّونَ مِثْلَ هذا الحدث لتشويهِ سُمعةِ الإسلام وتنفيرِ الناس عنه، مع أنَّ الإسلام بريءٌ مِن ذلك، فأخلاقُ الإسلامِ صِدقٌ وبِرٌّ ووفاءٌ، والدينُ الإسلاميُّ يُحذِّرُ من هذا وأمثاله أشدَّ التحذير.

*ومِن مَفَاسِدِهِ: أنَّ الأصابعَ في الداخلِ والخارج سوف تُشِيرُ إلى أنَّ هذا مِن صُنْعِ المتمسكين بالإسلام والدين، مع أننا نعلمُ عِلْمَ اليقين أنَّ المتمسكينَ بشريعةِ الله حقيقةً؛ لا يَقْبَلُونَ مِثْلَ ذلك، ولن يَرْضَوا به أبدًا، بل إنهم يتبرءونَ منه، ويُنكِرُونَه أعظمَ إنكار؛ لأنَّ المتمسك بدين الله حقيقةً هو الذي يقوم بدين الله على ما يُريدُه الله، لا على ما تَهْوَاهُ نفسُهُ، ويُمْلِي عليه ذَوْقُهُ المَبنيُّ على العاطفة الهوجاءِ والمنهجِ المُنحرفِ، والتمسُّك الموافقُ للشريعةِ كثيرٌ مُتفشٍ في شبابِ المسلمين والحمدُ للهِ رَبِّ العالمين.

*مِن مفاسدِ هذا الحدثِ وأمثالهِ: أنَّ كثيرًا من العامةِ الجاهلين بحقيقةِ التمسُّك بالدين؛ سوف ينظرونَ إلى كثيرٍ مِن المتمسكينَ البُرآء -الذين يبرؤون من هذا الصنيعِ وأمثالِهِ- سوف ينظرون إليه نظرة عداوةٍ وتَخوُّفٍ وحَذرٍ وتحذيرٍ، كما هو معهود عند بعض جُهَّال العوام من تحذيرِ أبنائِهم مِن التمسُّك بالدين نظرًا لأمثالِ تلك الأمور.

*إنَّ من أثار ذلك: حصدَ الأرواح، وهلاكَ الأنفُس، وتدميرَ الممتلكات، ونَشْرَ الخَوفِ والرُّعب، وزرعَ الضغينةِ والبغضاء، وإضعافَ الدولةِ، وإهدارَ الموارد، ووقوعَ الارتباكِ بين الصفوفِ.

*إنَّ من آثارِ ذلك: تَحجِيرَ الخير، وإضعافَ الأُمَّةِ، وتبديدَ مكاسِبِها، وتسلُّطَ أعداء اللهِ وتَمَكُّنَهُم من أمةِ الإسلام.

فمَن الذي يرضى لنفسهِ ولغيرهِ تلك الأمور؟

إنَّ الله رفعَ عن أُمَّةِ الإسلامِ العَنَتَ والحَرَجَ، وإنَّ نُصرةَ دينِ الله تعالى وإعزازَ شريعتهِ؛ لا تكونُ ببثِّ الخوفِ والرُّعب أو الإفسادِ في الأرض، ولا تكونُ بإلقاءِ النفسِ إلى التهلُكة، ولا تكونُ بالتضحيةِ بالنفسِ على غيرِ بصيرةٍ، فكلُّ هذا مخالفٌ لِمَا جاء به دينُ الإسلامِ الحنيفِ، وإنما جاءَ الإسلام ليَحْمِيَ للناسِ ضروراتِهم، ويعملَ على حِفْظِها، وينشرَ الأمنَ والعدلَ والسعادةَ والسَّلَامَ في صفوفِ مجتمعاتِهِ.

إنَّ لأمثالِ هذه الأمورِ مِن التدميرِ والتفجيرِ والتخريبِ والقَتْلِ والتفزيعِ والترويعِ، إنَّ لَهَا مِن السلبيات ما لا يُعَدُّ ولا يُحصى:

*فيها مخالفةُ وليِّ الأمرِ، وشَقُّ عصا الطاعةِ، والنصوصُ الشرعيةُ دلَّت على طاعةِ وليِّ الأمرِ في المعروفِ، وعلى الصبرِ على غيرِ ذلك، وأنَّ مَن شَقَّ عَصَا الطاعةِ؛ فَقَد أوقعَ نفسَهُ في معصيةِ اللهِ ورسولِهِ بمُخالفتِهِ لأَمْرِ اللهِ ورسولِهِ ﷺ.

*مِن سلبياتِ هذا العملِ وأمثالِهِ: أنَّ هذا العملَ إِنَّمَا هو في مصلحةِ أعداءِ الإسلامِ، والقيامُ بالأعمالِ التَّدْمِيريةِ والتَّخْرِيبيةِ مع إشاعةِ الفَوْضَى والعُنْف، وَبَثِّ الذُّعرِ، هذا كُلُّهُ إذا وقعَ داخلَ بلادِ الإسلامِ أو وقعَ خارجَهَ باسمِ الدينِ؛ يُفْرِحُ أعداءَ المسلمين، ويَسُرُّ أعداءَ الإسلامِ، ويُحَقِّقُ مصالحَ كُبرى لهم، بحيثُ تُسَوِّلُ لهم هذه الأعمال التَّدَخُّلَ في شئونِ البلادِ وكَسْرِ شوكةِ أهلِها، تُسَوِّلُ لهم هذه الأمورُ التَّسَلُّطَ على الدولِ، واستنفاذَ قوَّتِهَا عن طريقِ جَنْيِ الأموالِ الطائلةِ والتعويضاتِ الهائلة، وتشويهِ صورةِ الإسلامِ والمسلمينَ في نظرِ العالَمِ كُلِّهِ.

*من سلبياتِ هذه الأعمال: عرقلةُ مسيرةِ الدعوةِ إلى الله؛ لأنه إذا وقعَ مِثْلُ ذلك؛ حُجِبَت كثيرٌ مِن أعمالِ الخيرِ نسألُ اللهَ السلامةَ والعافية-، كم مِن هيئةٍ اتُّهِمَت، وكم مِن مُؤسسةٍ أُغلِقَت، وكم مِن بابِ خيرٍ أُوصِد، فما أكبرَ الفرقِ بين مَن يَبْنِي ومَن يهدمُ، ومَن ينفعُ ومَن يَضُرُّ، ومَن يُشَيِّدُ ومَن يُدمِّرُ، ومَن يُعَمِّرُ ومَن يُفَجِّرُ، ومَن يُبَشِّرُ ومَن يُنَفِّرُ، ومَن يُصْلِحُ ومَن يُفْسِدُ، ومَن يجمعُ ومَن يُفَرِّقُ، ومَن يرحمُ ومَن يظلمُ، شَتَّانَ بين هذا وهذا شَتَّان.

*إنه أي: هذا العمل- خيانةٌ وغدرٌ: خيانةٌ للهِ تبارك وتعالى- ولكتابِهِ ولنبيِّهِ ﷺ، وجنايةٌ على الدماء المعصومةِ بالإيمانِ والمعصومةِ بالأمانِ، على الأرواحِ المعصومةِ بالأمانِ من تخويفٍ وإزهاقِ أَنْفُسٍ، وإراقةِ دماء، إلى غيرِ ذلك مِمَّا هو تخويفٌ للآمنين وترويعٌ لهم، والذي يقومُ بهذه الأعمالِ يكونُ خَائِنًا لأُمَّتِهِ، غَادِرًا بِوَطنِهِ، يَجْنِي على الأنفُسِ المعصومةِ بغيرِ وجهِ حقٍّ، يُدْخِلُ الرُّعبَ على المسلمين وغيرِ المسلمين، وكلُّ ذلك مُنافٍ لِما أمرَ به الشرعُ الحنيفُ.

*وفي هذا العمل الهمجيِّ الآثمِ: تشويهٌ لصورةِ العلماءِ والصالحين، فالذي يقومُ بهذه الأعمالِ ويُنسبُ إلى الدينِ أو إلى العِلمِ عندما يُظْهَرُ للناسِ يكونُ تأثيرُهُ على إخوانِهِ كبيرًا وخطيرًا، قد يكونُ صَاحِبَ سَمْتٍ ظاهرٍ أو لا يَكون، ولكنَّهُ يكونُ مَنْسُوبًا في النهايةِ إلى الدين، وقد لا يكون، ولكنْ حينئذٍ لا يُؤخذُ مِن أهلِ العلمِ عِلْمٌ، ولا يُرفعُ لهم شأنٌ، ولا تُقبلُ مِن أهلِ التُّقَى نصيحةٌ.

*إنَّ في هذا العملِ: صرفًا للناسِ عن طاعةِ ربِّهِم، وفيه تخويفٌ لهم عن سلوكِ سبيلِ المؤمنين، والناظرُ حولَهُ يجدُ أنَّ بعضَ الناسِ يتركُ التَّمَسُّكَ بسَمتِ الصالحينَ إذا سَمِعَ ورَأَى ما يقومُ به بعضُ المُنتسبينَ إليهم، حيثُ يَدُبُّ الخوفُ إلى النفوسِ، ويتسببُ ذلك في إضعافِ وَازِعِ الإيمانِ في القلوبِ، ويُفَرِّطُ كثيرٌ مِن الناسِ في تَمَسُّكِهِم بالسَّمْتِ النبويِّ الكريمِ، فَهَذَا كُلُّهُ صَدٌّ عن سبيلِ ربِّ العالمين.

*إنَّ هذا العملَ: لا يرضى عنه اللهُ ولا يرضى عنه رسولُ اللهِ ﷺ، ولا يرضى عنه المؤمنونَ، وفيه فتحٌ للبابِ للمُتربصينَ ليَلِجُوا إلى بلادِ الإسلامِ؛ لأنَّ الخطَطَ التي تُحاكُ ضِدَّ كُلِّ ما هو إسلاميٍّ أصبحت تُظْهَرُ عَلَنًا على قارعةِ الطريقِ بعد أنْ كانت تُعْمَلُ في الخَفاءِ، وذلك أنَّ بَعْضًا مِن أبناءِ المسلمين قد أظهروا العداوةَ بصورةٍ خاطئةٍ؛ بالتعاملِ بالقتلِ والتخريبِ والتفجيرِ والتدميرِ، ففتحوا البَابَ المُوصَدَ بأيديِهِم ليَلِجَ أعداءُ المِلَّةِ إلى بلادِ المسلمين.

*في هذا العملِ: حُصُولٌ للفُرقةِ والتنازعِ، وهذا بَبَثِّ الأعمالِ المُخالِفَةِ لشريعةِ الإسلامِ.

*في هذا العملِ: ضياعٌ للأمنِ والأمانِ؛ لأنَّ التفريطَ في جانبِ الأمنِ جريمةٌ كُبْرَى، ومَن ضَاعَ منه الأمنُ عاشَ في خوفٍ وقَلَقٍ واضطرابٍ، فَبِدُونِ الأمنِ لا يُمكنُ أنْ يعيشَ الناسُ حياتَهُم، والمعلومُ أنَّ انفلاتَ زمامِ الأمنِ في مجتمعٍ هو فَتْحٌ لبوابةِ الفِتَنِ والرُّعْبِ والهلاكِ، ولبابِ الأهواءِ والعصبياتِ، والتناحُرِ والتشاجرِ، وَهي مِن أعظمِ أسبابِ الشرِّ والفسادِ، وكلُّ ذلك مِن مُسبِّبَاتِ هَلَاكِ الأُمَّةِ وضياعِهَا، وهذا كُلُّهُ مُفْضٍ إلى حُكْمِهِ، وهو مُحَرَّمٌ بإجماعِ المسلمين بشَتَّى صورِهِ، حتى إنه رُبَّمَا لا تَجِدُ قضيةً مُعاصرةً يكونُ عليها الإجماعُ كالإجماعِ على حُرمةِ أمثالِ هذه الأمورِ.

فعلينا جميعًا أنْ نَتَّقِيَ اللهَ تعالى في دِينِنَا، وفي بَلَدِنَا، في إسلامِنَا، وفي أرضِنَا، عَلَيْنَا أنْ نَتَّقيَ اللهَ تبارك وتعالى- جميعًا في هذه الأمَّةِ، وفي بِلَادِ الإسلامِ مِن وَرَائِهَا، ينبغي عَلَيْنَا جميعًا أنْ يُمْسِكَ لِسَانَهُ مَن لا يعلمُ ما يَخْرُجُ مِن رَأْسِهِ، وألَّا يتطوعَ المفسدونَ الفَسَدَة بنَثْرِ الاتهامات على البُرَآءِ، وبالتحريشِ بينهم وبين الناسِ، وبالتحريشِ بينهم وبين السُّلُطَات، فإنهم زِمامُ الأمنِ لهذا الوطنِ.

وأمَّا هؤلاء الذين يُشْعِلُونَ الفتن، فإنهم يُريدونها فوضى، تنطلقُ فيها الغرائزُ مِن مكامِنِهَا، وَتَشْرَئِبُّ فيها النزوَاتُ بأعناقِهَا، يُريدونَهَا فوضى، لا يُريدونَهَا دينًا بـ«افعل ولا تفعل» مِن أجلِ الحقِّ والخيرِ والسلامِ، ومِن أجلِ أنْ يَعُمَّ الخيرُ ربوعَ الدولةِ، لا يُريدونَهَا هكذا، هؤلاء منسوبون إلى غيرِ أبنائِهَا، عاملون على غيرِ أجندةِ هذه الدولةِ، هم يعملونَ على أجنداتٍ لا نعلمُهَا، ينبغي علينا أنْ نَحذرَهُم، وألَّا نُلقيَ بأسماعِنَا إلى ما يَهرِفونَ به، وإلى ما يُلقونَهُ مِن الأسماعِ إلى القلوبِ مِن السُّمِّ الزُّعَافِ، فوالله إنه لأَفْتَكُ بالقلوبِ والأبدانِ والحياةِ مِن سُمِّ الأفاعيِّ، مِن سُمِّ الأساودِ.

فينبغي علينا أنْ نَتَّقيَ اللهَ، وأنْ نُحَدِّدَ موقفَنَا: مع هذا الدينِ.. مع هذا الوطنِ؟ أَمْ ضِدَّ هذا الدينِ وضِدَّ هذا الوطن؟

وليَمْضِ كُلٌّ بعد ذلك في طريقِهِ، واللهُ المُستعان وعليه التُّكلان.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.

صفحة تفريغات خطب الجمعة كاملة للعلامة رسلان

وصفحة تفريغ خطب علماء أهل السنة

وموقع تفريغات العلامة رسلان

www.rslantext.com

وموقع تفريغ خطب علماء أهل السنة

www.khotabtext.com

التعليقات


خطب مفرغة قد تعجبك


  • شارك