تفريغ مقطع : فمتى نتوب؟!!

هذا الألمُ، هذا الألمُ الذي يُضْنِي الجَسَدَ، الذي يُقِضُّ مَضْجَعَ المَرءِ، هذا الأَلَمُ، ما هو؟

هذا الألمُ الذي يُصيبُ الإنسانَ في ذاتِهِ، في بدنِهِ، وفي قلبِهِ، في رُوحِهِ وفي جَسَدِهِ، ما هو؟

لو أنكَ نَظَرْتَ إلى هذا الألمِ في الجسدِ؛ فَنَظَرْتَ فيه، وأعلى ذلك ما يُصيبُ المرأةَ في حالِ الوضعِ، ما الألمُ الذي يُصيبُ المرأةَ في حالِ الوضعِ؟

لا يَعْدُو أنْ يكونَ انقباضُ عَضَلاتِ الرَّحمِ مِن أَجْلِ دَفْعِ ما اشتملَ عليه الرَّحمُ مِن جَنينٍ، هذا أَلَمُهُ، الأَلَمُ الذي تُعاني منه المرأةُ في حالِ الوضعِ ما هو إلا تلك التَّقلُّصَات، ما هو إلا تلك الانقباضات ينقبضُهَا الرَّحمُ بعضلاتِهِ وهي قويةٌ جدًّا، تلك الانقباضات التي مِن أَجْلِها يدفعُ الرَّحمُ ما فيه مِن أَجْلِ أنْ يَرَى النورَ وأنْ يرى الحياةَ وأنْ يخرجَ إلى دنيا اللهِ بأسبابِ اللهِ، هذا الألمُ الفظيعُ المُفْظِعُ الذي قال فيه الصحابيُّ -رضوان الله عليه- للرَّجُلِ اليَمَانيِّ وهو يحملُ أُمَّهُ وقد جَمَعَ رِجْليها أمامَ صدرِهِ وحَمَلَهَا على عاتقَيْه يطوفُ بها حولَ الكعبةِ سبعةَ أشواطٍ، فقال له: هل ترى أني قد وفَّيتُهَا حَقَّهَا؟

وهو قد أَتَى بها على هذه الصفةِ مِن اليمن إلى بيتِ اللهِ الحرامِ، ليس لها مِن رِكَابٍ سواهُ، وليس لها مِن خادمٍ غيرُهُ، هل ترى أني قد وفَّيتُهَا حقَّها؟

قال: ولا بطلقةٍ واحدةٍ، والطلقةُ الواحدةُ انقباضُ عضلاتِ الرَّحمِ مَرَّةً طُولًا وعَرْضًا ودائريًّا تكونُ، تنقبضُ مِن أجلِ إرسالِ ما فيه، مِن أجلِ إرسالِ ما في الرَّحمِ إلى الخارجِ، هذا الحالِبُ الذي يحملُ تلكَ النفايات مِن الكُلَى إلى المثانةِ إلى الخارجِ لا يبلغُ أنْ يكونَ شيئًا، ولعلَّ أُصبُعَكَ هذا يبلغُ ثلاثةَ أضعافِ قُطْرِهِ، ولكنَّهُ إذا ما انقبضَ انقباضاتِهِ لا تتحمَّلُهُ، ما هذا؟

أوَهذا مُنتهى المُنتهى مِن تحمُّلِ المرءِ؟

وكيف لا يستعلي الإنسانُ على أَلَمِهِ؟

ولِمَ يكونُ الإنسانُ وضيعًا في هذا الألمِ إلى هذه الدرجة؟

لا يستطيعُ أنْ يستعليَ عليه ولا درجة.

إنَّ مُعاذ بن عَفْرَاء وابن الجَمُوح كان ما كان منهما يوم بدرِ، وهذا واحدٌ منهما يضربُ رِجْلَ أبي جهلٍ فَيُطِنُّها فيُطيحُ بها، كما تخرجُ النواةُ مِن تحتِ الرَّحَى بِسِفَالِهَا، ويأتي عِكْرمةُ فيضربُهُ على عاتقِهِ فَيُطِنُّ ذِرَاعَهُ إلا جِلدةً تظلُّ الذراعُ مُمسِكةً في الجسدِ بسببِهِا، يقول: قاتلتُ عامَّة ذلك اليوم وهي كذلك -يعني ذِرَاعَهُ- ما زالت مُمسكةً بجِلدةٍ في جسدِهِ لم تنفصل عن جسدِهِ بعد، قال فآذتني، يُقاتِلُ عامَّة يومِهِ وهي كذلك تروحُ وتجيء كبِنْدولِ الساعةِ تتحركُ على هواهَا وكيف مَا قَدَّرَ اللهُ رَبُّ العالمين لها، لَم تَعُد له عليها مِن سيطرةٍ ولا يتعلَّقُ بها منه إرادة، وإنَّما مُرادُها على حَسَبِ قَدَرِ رَبِّها فيها؛ تروحُ وتجيء، قال: فآذَتْنِي.

فما تظنُّهُ فَاعِلًا؟

أين تذهبُ تلكَ الأعصابُ الحاملاتُ للأَلَمِ إلى المُخِّ تترجمُ بمراكزِهَا فيه عن ذلك الأَلَمِ المُفْظِعِ الذي يَذْهَلُ منه العقلُ إذا ما زادَ، يَصِلُ الأَلَمُ أحيانًا بالجسدِ الحيِّ إلى مرحلةِ الذُّهولِ، فيَذْهَلُ الإنسانُ عن ذاتِهِ حتى يغيبَ وهو غيرُ غائبٍ، وحتى يُغيَّبَ وهو حاضرٌ لا يستطيعُ أنْ يُحِسَّ شيئًا ولا يُدرِكُ مِمَّا حولَهُ أَمْرًا، ما هو هذا الأَلَمُ عند إذن؟

وهذا رَجُلٌ تُؤذيه ذراعُهُ وقد أَمْسَكَت بجسدِهِ بجِلدةٍ؛ فما يقولُ -رضوان الله عليه-؟

قال: فقاتلتُ عامَّةَ ذلك اليوم وقد آذَتْنِي، قال: فوضعْتُهَا تحت رُكْبَتِي أو قال تحت قَدَمِي، ثم تمَطَّيتُ.

انظُر إليه يجعلُهَا الآن وهي تروحُ وتجيءُ لا يستطيعُ أنْ يجعلَهَا حيثُ يُريد إلا بمَعونةِ يَدِهِ الأُخرى، هو ذا يُمْسِكُهَا، الوَدَاعُ لكِ، لقد كنتِ صالحةً تَضربينَ في سبيلِ اللهِ وتُنْفِقينَ وتَبذُلينَ، الوداعُ لكِ والموعدُ الله، يجعلُها بيدِهِ الأُخرى مُساعِدةً ، يجعلُهَا تحتَ رُكبتِهِ، ها هو ينزلُ شيئًا فشيئًا، ها هو ذا القرار يختمرُ في العقلِ يأخذُهُ رُويدًا رُويدًا، ها هو ذا يستقرُّ على القرارِ: لا بد من فَصْلِها!!

ليس الوقتُ بوقتِ هَزْلٍ، ولا الوقتُ بوقتٍ للضَّيَاعِ وإنَّما هو وقتُ استثمارِ الوقتِ مِن أَجْلِ ما يُفيد، فلنَفْصلْها الآن، فلنَفصلْها الآن فإنها إنْ لم تُفصَل الآن فَسَتُفصَلُ بعدَ حين، ها هو ذا يجعلُهَا تحت رُكبتِهِ أو قُل تحتَ قَدَمِهِ ثم يَتَمَطَّى، أين الألم؟!!

ثم يَتَمَطَّى فيفصلُهَا ويعودُ إلى المعركةِ مِن أَجْلِ اللهِ رَبِّ العالمين.

أين الألم؟!

أين أنت يا أَلَمُ؟! ما تكونُ؟!

إنَّكَ لشيٌء لا تساوي شيئًا، إنكَ لحقيرٌ جدًّا، إنَّ المرءَ ليُمكن له أنْ يستعليَ فوقَ أَلَمِهِ، يسحقُ أَلَمَهُ فيُؤلِمُ أَلَمَهُ ويجعلُ الأَلَمَ للأَلَمِ بالأَلَمِ نازِلًا ويستعلي برُوحِهِ فوق الأَلَمِ، ولَكِن كيف؟

لا تكونُ إلا لتِلكَ الأرواحِ -رحمةُ اللهِ عليهم أجمعين-.

وآخرُ يأتيه رُمْحٌ مِن خَلْفٍ بِغَدْرٍ وما كان مُولِّيًّا، وما كان الواحدُ منهم حتى في جاهليِّتِهِ يخشى أنْ يأتيَهُ رُمْحٌ مِن خَلْفٍ؛ لأنه لا يُولِّي الأدبارَ حتى في الجاهلية، وهذا كُلَيْب يأتيه حِسُّ جسَّاسٍ مِن خَلْفِهِ لا يلتفتُ إليه استعلاءً ، لا يلتفتُ إلى مَن جاءَ مِن خَلْفٍ، إنْ كان رَجُلًا حَقًّا فليأتِ مِن أمام، وفي الأمامِ للأمامِ مُتَّسَعٌ للصِّراعِ وموطنٌ للنِّزالِ، أَمَّا أنْ يأتيَ غادرٌ مِن خَلْفٍ، فَمِثْلُ هذا لا يُلتَفَتُ إليه ولا يُعَوَّلُ عليه، لا يَلْتَفِتُ إليه ويأتي هو فيجعلُ رُمحَهُ بين كَتفيْهِ مِن خَلْفٍ، حتى في الجاهليةِ والواحدُ منهم يعبدُ حَجَرًا، يُقدِّسُ وَثَنًا، يَتَّخذُ لذاتِهِ مِن ذاتِهِ إِلهًا وَرَبًّا، حتى في الجاهليةِ كان الواحدُ منهم لا يُؤتَى مِن خَلْفٍ؛ لأنهُ لا يُوَلِّي الأدبارَ وإنَّما يُواجِهُ، يحملُ المسئولية، أليسَ رَجُلًا؟

فليُواجِهُ إذن كما يُواجِهُ الرِّجِالُ، أليسَ رَجُلًا؟

فليَحْمِل مسئوليةَ أفعالِهِ كما يتحمَّلُهَا الرجالُ في موطنِ النِّزالِ.

 وهذا واحدٌ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأتيهُ رُمْحُ مِن خَلْفٍ بِغَدْرٍ لا يلتفت، والآن يَنْفُذُ الرُّمُحُ مِن أمام، ضربةٌ نجلاءُ، طعنةٌ بِغَدْرٍ بِرَكْضَةٍ إلى الجنَّةِ، ما هي إلا خطوةٌ للأمام يَنكفئُ فيها على ذاتِهِ؛ تخرجُ رُوحُهُ، يعودُ السِّرُّ إلى بارئِهِ، يستقرُّ برُوحِهِ في الجنَّةِ، ما هي إلا خطوةٌ واحدةٌ، يا لَهَا مِن رَكْضَةٍ في الجنَّةِ، خطوةٌ واحدةٌ ثم تكونُ في الجنةِ، كما كان الواحدُ منهم يأخذُ مِن جِرابِهِ تَمْرَات يَلُوكُها بفِيه، فإذا سَمِعَ الترغيبَ مِن رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-؛ ألقاها وقال: بَخٍ بخٍ، ما هذه التَّمْرَات تأخذُ ذلك الوقت لمَضْغِهَا، إنها لتَعوِّقني عن جَنَّةِ الخُلْدِ؛ عن القُربِ مِن اللهِ رَبِّ العالمين.

هذا واحدٌ مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يأتيه رُمْحٌ غَادِرٌ مِن خَلْفِهِ وها هو يخرجُ بنَصْلِهِ مِن أمام ، ها هو يخرجُ شيئًا فشيئًا، ها هو يأتي يأتي يَدفعُهُ الغِلُّ ويُزْجيه الحقدُ، وها هو يبزغُ مِن اللحمِ الحيِّ شيئًا فشيئًا كما تتشققُ الأرضُ العَطْشَى لتستقبلَ ماءَ السماءِ، كما تتشققُ الأرضُ التي أصابَها الغَيْثُ عن النَّبْتِ الأخضرِ يترعرعُ بالنَّماءِ، ها هو صدرُهُ ينفجرُ شيئًا فشيئًا، ها هو سهمٌ مِن النَّارِ تَتَلَظَّى به الجُنُوبُ غيرَ أنه لا يلتفتُ إليه ولا ينظرُ إليه، وها هو النَّصْلُ يخرجُ حَادًّا ثقيلًا، وها هي الدماءُ تنبثقُ منفجرةً مِن أمام، أينكفئُ على أَلَمِهِ أمْ يستعليَ فوق أَلَمِهِ، ها هو والدمُ ينبثقُ كالنافورةِ مِن أمام يحفِنُ يحفِنُ يحفِنُ، هكذا بهذا اللفظِ المُوحِي الجليل؛ يحفِنُ الدماءَ المنبثقةَ الموَّارَةَ الفَوَّارَةَ بكَفيِّهِ ويُلْقِي بها جِهَةَ السماءِ يقول: فُزْتُ ورَبِّ الكعبة، فُزْتُ ورَبِّ الكعبة، فُزْتُ ورَبِّ الكعبة، أيُّ إيمان؟! أيُّ إيمانٍ هذا وأيُّ يقين؟!

وفي المُقابلِ ما هو إيماننا نحن، وما هو اليقين؟!

أيُّ إيمانٍ وأيُّ استعلاءٍ وأيُّ يقين، جِدٌّ ما فيه هَزْلٌ، ويقينٌ ما فيه شَكٌّ، واستعلاءٌ ما فيه سُفول، وأمَّا نحن فمَن نكونُ وما نكون؟!!

أَلَا إنَّ الناظرَ في أحوالِ مُحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- وأصحابِ مُحَمدٍ -رضوان الله عليهم أجمعين-، يعلمُ أين يكمنُ السِّرُّ، السِّرُّ بين عِزِّهِم وذُلِّنَا.

السِّرُّ الذي لأجلِهِ استعْلَوْا وتَسَفَّلْنَا!!

السِّرُّ الذي لأجلِهِ أُعْطُوا وحُرِمْنَا!!

السِّرُّ الذي لأجلِهِ عَزُّوا وذَلَلْنَا!!

السِّرُّ الذي لأجلِهِ انتصروا وهُزمْنَا!!

السِّرُّ الذي لأجلِهِ عاشوا ومِتْنَا ونحن أحياء!!

هذا السِّرُّ إنما يكمنُ في هذا الجِدِّ الجادِّ والبُعْدِ عَنِ الهزلِ الهزيل.

إنهم قد عادوا إلى اللهِ رَبِّ العالمين؛ يستمدِّونَ مِن اللهِ المعونةَ والنُّصرةَ، اللهُ على كلِّ شيءٍ قدير.

هذا الأَلَمُ الذي يخشاهُ الناسُ ومنهُ يفزعون؛ ما يكونُ وما يكونُ وما يكون؟!!

هذا الأَلَمُ الذي يعودُ مُتجردًا كما رأيتَ إلى ذلك الشيء اليتيم، إلى شيءٍ حقيرٍ هزيل، ذلك الأنبوبُ الذي يحملُ القَذَرَ، الذي يحملُ البَوْلَ، الذي يحملُ النفايات؛ يحملُ العَدَمَ، هذا الأنبوبُ إذا ما تَقَلَّصَت عضلاتُهُ وما تكونُ عضلاتُهُ؟

لا يستطيعُ المرءُ أنْ ينعمَ بِغُمْضٍ ولا أنْ يقَرَّ له على الفراشِ جَنْبُ، هذا الأَلَمُ في تجريدِهِ يعودُ إلى هذا الذي إليه يعود، فما يكونُ إذن؟

ولو أنَّكَ نظرتَ إلى الأَلَمِ الحقِّ في دارِ الخُلْدِ -إلى الأَلَمِ الحقِّ في دارِ الخلودِ-، إذا لم يُنْعِم اللهُ ربُّ العالمين في الجنةِ وأُدْخِلَ النَّارَ وبِئسَ القرار.

فقل لي بربِّكَ وهذا الألَمُ يُمكنُ أنْ يُسَكَّنَ ويُمكنُ أنْ يفوت، وهذا الألَمُ في الدنيا يُمكنُ أنْ يَتَغَاضَى عنه المرءُ ويُمكنُ أنْ يستعليَ عنه ويُمكنُ أنْ يموتَ، ولكنَّ الأَلَم هنالك لا يفوتُ والمرءُ هناك لا يمكنُ أنْ يموتَ، أَلَمٌ على حَسَبِ قدرةِ القادرِ العظيمِ، وقُدْرَتُهُ لا حَدَّ لَهَا، فَقُل لي بربِّكَ هذا الأَلَمُ ما يكون؟

أَلَمٌ نَازِلٌ بكُلِّ خَليَّةٍ، بل بكلِّ ذَرَّةٍ في كلِّ خَليَّةٍ، أَلَمٌ لا يَدَعُ مَوطنًا مِن مواطنِ الجسدِ ولا مواطنِ الروحِ إلَّا ومَسَّهُ بِمِيسَمِهِ وطَبَعَهُ بطَابَعِهِ الجُهنَّميُّ، نسألُ اللهَ السلامةَ والعافيةَ. 

التعليقات


مقاطع قد تعجبك


  • شارك